الإثنين 17 ذو الحجة / 19 أغسطس 2019
04:38 ص بتوقيت الدوحة

الجرف الهاري

الجرف الهاري
الجرف الهاري
كاد النسيان يطوي القضية الفلسطينية على المستوى الدولي، وانفرد الاحتلال الإسرائيلي الصهيوني بالفلسطينيين سواء في غزة أو القدس وواصل الاستيطان وسياسة الترحيل وغير ذلك، مستغلا انشغال العالم العربي والإسلامي بمآلات دول الربيع العربي خاصة ما جرى في مصر من انقلاب عسكري دموي على الإرادة الشعبية، وفتح السجون للمعارضين، وما زال يجري بها من قهر للحريات وحقوق الإنسان وغير ذلك مما يطول ذكره والتفصيل فيه، مع صمت دولي خاصة من العالم الذي يصف نفسه بالحر وصل لدرجة التواطؤ.

استغل الاحتلال الإسرائيلي انشغال العالم العربي والإسلامي بالمكر والمؤامرات -التي كان طرفاً فيها خاصة بمصر- للعودة بدول الربيع العربي للوراء والانقلاب على إرادة الشعوب سواء في اليمن أو ليبيا أو تونس، وواصل مخططه الصهيوني بدعم غربي غير خفي.

ورغم أن الإدارة الأميركية حاولت قبل أشهر ومن باب تحسين صورتها في العالم العربي، تحريك مياه راكدة وإعادة الروح لمفاوضات عقيمة بين الاحتلال الإسرائيلي وسلطة عباس أبومازن، لكنها فشلت لأن الاحتلال اعتقد أنه مع العبث الذي طال الربيع العربي والسعي لتحويله لخريف، واكتسابه لحليف وداعم تولى رئاسة مصر، سيتقدم في مخططه الصهيوني أكثر من خلال السعي للقضاء على قطاع غزة والمقاومة، خاصة لما رأى «إعلاميين» عرب يتهجمون على غزة والفلسطينيين أكثر من الصهاينة. 

ولأجل ذلك استغل الاحتلال الإسرائيلي حادثة اختطاف مقتل ثلاثة مستوطنين لإعـلان الحرب على قطاع غزة بدعوى أن المقاومة من فعلت ذلـك، وقامت حكومته بحملة دعائية كبيرة في الداخل والخارج لتبرر إطلاق حملة عسكرية عدوانية ثالثة على القطاع بعنوان «الجرف الصامت».

لكن بسالة المقاومة وصمودها وإصرارها على تحقيق مطالبها رغم فداحة الخسائر البشرية (الشهداء) والمادية في البنى التحتية، جعلت مخطط الاحتلال ينقلب عليه وكانت نتائج عدوانه الوحشي على غزة عكسية تماماً يمكن إجمالها وبتلخيص فيما يلي: 

- إعــادة الحياة للقضية الفلسطينية واستعادة زخمها بعدما كــادت مسرحية المفاوضات العبثية والعقيمة تقتلها في نفوس الشعوب العربية وكل أحرار العالم.

وفي هذا السياق تكتسي مبادرة ثمانية قنوات فضائية لبنانية متصارعة سياسياً وإعلامياً و «طائفياً» إلى تقديم نشرة موحدة بشعار «فلسطين لست وحدك» دلالة مهمة.

- انكشاف أكثر للوجه القبيح للاحتلال أمام الشعوب الغربية، خاصة بعدما كشف تقرير بعنوان «الهجوم الإسرائيلي على غزّة: انتقام أم خطة مسبوقة؟» ضمن حلقة في برنامج «المجلة الدولية» على قناة «تــســي.دي.أف» الألمانية (ZDF)، أن حكومة الاحتلال قدمت رواية مخدومة غير حقيقية عن حادثة اختطاف ومقتل المستوطنين الثلاثة شمال الخليل في نهاية يونيو الماضي، ولم تقدم أي دليل على اتهاماتها وكل ذلك لتبرير عدوانها الجديد على الفلسطينيين، بعدما هيأت شعب الاحتلال لذلك حيث قال أحدهم في التقرير المذكور «لقد جرى قتل يهود هنا، لماذا لا يقوم رئيس وزرائنا بتسوية غزّة بالأرض! أنا فعلا غاضب جداً».

- دفعت الفصائل الفلسطينية للوحدة أكثر، وجعلت رئيس السلطة الفلسطينية عباس أبو مازن يغير خطابه ويقول: إن مطالب غزة بوقف العدوان ورفع الحصار بكل أشكاله هي مطالب الشعب الفلسطيني بـأسـره، وجعلت منظمة التحرير 
الفلسطينية فتح تصدر بياناً تشيد بـ «المقاومة الباسلة ضد جيش الاحتلال الذي يرتكب المذابح والجرائم المتواصلة، وإن فلسطين بأسرها داخل الوطن وخارجه يقف بصلابة جنباً إلى جنب مع غزة هاشم وشعبها المقدام الذي ينزف في كل ساعة دفاعاً عن الوطن الفلسطيني وحقوق الشعب والمشروع الوطني الفلسطيني».

- إن الاحتلال الإسرائيلي ودولته بات بفعل المقاومة محاصراً يسعى بطريقة غير مباشرة في اتجاه هدنة، فضلا عن اتساع دائرة عزلته والنفور منه وسط الشعوب الغربية التي يعد الإعلام الموجّه قادراً على تغطية الوجه القبيح الوحشي للاحتلال، وترجم ذلك بوضوح في التظاهرات التي خرجت في جل الدول الغربية.

باختصار لقد تحول الجرف الصامت إلى جرف هارٍ ، وتكسر الطغيان الصهيوني على صخرة صمود أهل غزة والشعب الفلسطيني ومقاومته، وهذه بداية الطريق لخلق شروط مفاوضات حقيقية لسلام حقيقي.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.