السبت 16 رجب / 23 مارس 2019
03:43 ص بتوقيت الدوحة

حتى لا يضيع العراق مرتين

122
حتى لا يضيع العراق مرتين
حتى لا يضيع العراق مرتين

لا يبدو أن الأزمة العراقية الأخيرة عقب سيطرة المسلحين على أجزاء واسعة من البلاد ستجد لها حلا قريباً في الأفق، فهي وإن كان البعض يعتقد بأنها ستنتهي فور الانتهاء من تسمية رئيس جديد للحكومة خلفاً لنوري المالكي، إلا أن واقع الحال يشي بأنها أعقد وأعمق من ذلك بكثير، كونها باتت اليوم حرب أجندات وصراعات يسعى العراقيون أنفسهم أن يجدوا لهم مكاناً بينها، كونها في الغالب تجري بعيداً عن تلك المدن التي دفعت ثمن تهور نوري المالكي رئيس الحكومة المنتهية ولايته، وإصراره على إقصاء العرب السنة واستخدام كل أساليب القمع والإذلال بحقهم حتى أوصلهم إلى مرحلة اللاعودة، فإما حياة تسر الصديق وإما ممات يغيض العدا.

الأزمة العراقية الحالية، وإن كانت قد دفعت الآلاف إلى ترك مدنهم وقراهم بعد أن بدأ طيران المالكي بقصفها، إلا أنها يمكن أن تمثل فرصة كبيرة لأطراف كثيرة، تساعد من خلالها على تصحيح مسار ما جرى في العراق عقب غزوه واحتلاله في ربيع عام 2003.

الدول العربية وتحديداً الخليجية منها، يجب أن تبدأ فعلياً بالتحرك نحو العراق، ليس من أجل العراق والعراقيين وحسب وإنما من أجل مصالحها، خاصة أن هذه الدول وعلى رأسها العربية السعودية كانت قد تركت العراق عقب غزوه عام 2003 واعتمدت سياسة النأي بالنفس، كونها كانت تعول على دور أميركي سوف يكون قادراً على تحقيق التوازن الذي تريده السعودية، إلا أن العم سام كما هي عادته، باع الجميع، وراح سريعاً يفتش عن قصعته وحصته، بل ورتب الأمر مع الجارة الشرقية للعراق، إيران، حتى وجدت العربية السعودية ودول المنطقة العربية والخليجية، أنهم أمام مشهد بالغ القتامة، بعد أن تمكنت إيران من حكم العراق عبر وكلائها السياسيين، حتى دفع هذا الوضع، أن يصرح نائب في البرلمان الكويتي أن عراق صدام حسين الذي غزا الكويت أقل خطراً علينا وعلى الخليج من العراق الحالي.

اليوم هناك فرصة أمام هذه الدول بعد أن تفجرت الثورة العراقية المسلحة، فلا يجب أن تكتفي العربية السعودية بدعوة وزير الخارجية الأميركية جون كيري إلى ضرورة تشكيل حكومة عراقية تضم كل الأطياف، ولا يجب أن تذهب السعودية مع ما ذهب إليه الإعلام الغربي بأن المسلحين هم عناصر من تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام، وبالتالي دعوة أميركا لتوجيه ضربة عسكرية إلى هذا التنظيم، فدراسة أخيرة لمعهد فريدوم هاوس، أظهر بأن نسبة مقاتلي تنظيم الدولة في العراق لا يتجاوز الـ%20.

المطلوب اليوم، موقف عربي وخليجي تحديداً مما يجري في العراق، فبعد أن تدخلت إيران مباشرة في العراق لحماية حلفائها، فإن على الدول الخليجية أن يكون لها موقف واضح ومحدد، وأن تجلس مع إيران والولايات المتحدة لوضع حد لمذلة السيطرة الإيرانية على هذا البلد، خاصة أن هناك واقعاً على الأرض فرض نفسه وبات لدى تلك الدول الخليجية ورقة للضغط على واشنطن وطهران.

الساسة السنة ممن دخلوا العملية السياسية العرجاء منذ يومها الأول، أمامهم فرصة كبيرة وكبيرة جداً ليعيدوا الأمور إلى نصابها ويفاوضوا من موقع القوي لا من موقع الضعيف الذي لا يملك أية قوة، فهذه القوى والأحزاب السياسية التي فقدت قوتها عقب تعطل مشروع المقاومة العراقية إبان الاحتلال الأميركي، جاءت إليها فرصة ذهبية تتمثل بهذه الثورة المسلحة التي يمكن استثمارها لتحقيق مطالب الثائرين من جهة وأيضاً إرساء عملية سياسية جديدة قادرة على أن تعيد العراق إلى طريق السلامة بعد أن دخل نفق الموت منذ 11 عاماً ونصف.

وكما أن الفرصة مواتية للعرب السنة ممثلين بالأحزاب السياسية، فإن الأمر كذلك يعد فرصة أمام العرب الشيعة ممن يرفضون سياسة الاحتواء التي تطبقها طهران بحقهم، ويرفضون سياسات الحكومة الحالية وأحزابها، أمام هؤلاء فرصة كي يعبروا بالعراق مرحلة الطوائف والإثنيات والمحاصصات، ويخرجوا من عنق الزجاجة ومرحلة الصمت ويعيدوا اللحمة الوطنية والنسيج المجتمعي الذي عملت على تفتيته الولايات المتحدة وإيران وأحزاب السلطة.

نعم الضريبة التي يدفعها العراقيون خاصة العرب السنة، الآباء الشرعيون للثورة، كبيرة وكبيرة جداً، فهناك اليوم ما يقارب المليون ونصف المليون نازح، ترافقها أوضاع إنسانية صعبة للمحافظات الثائرة، ولكن عسى أن يكون ذلك بداية الطريق لتحرير فعلي للعراق، يعيد لهذا الوطن بريقه الذي احتطفه مؤامرات القوى الدولية والإقليمية، وبعض أقزام السياسة من أبناء جلدته.

• Iyad732@yahoo.co.uk

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.