السبت 20 رمضان / 25 مايو 2019
02:05 ص بتوقيت الدوحة

تحرير الموصل وليس احتلالها

تحرير الموصل وليس احتلالها
تحرير الموصل وليس احتلالها
أثارت العملية التي قامت بها مجاميع عراقية مسلحة بالاستيلاء على ثاني أكبر المدن العراقية، وهي محافظة الموصل، تساؤلات كبيرة وكثيرة، تتسع بسعة الألم العراقي الذي استمر منذ العام 2003 عقب الاحتلال الأميركي، فعملية بهذا الحجم وهذه الآلة التي تمت بها تؤشر أن واقع العراق صعب وصعب جداً، وأن ما قامت به حكوماته التي تعاقبت عليه بعد 2003، لم تقدم ما يمكن له أن ينتشل العراق من واقعه الأليم، على العكس فإن تلك الحكومات أسهمت بشكل فاعل وكبير في وصول العراق إلى حافة الهاوية. لسنا هنا بصدد تقييم ما بعد 2003، وإنما فقط نؤشر إلى أن ما يحصل اليوم ما هو إلا نتيجة لمعطيات المرحلة الماضية، ولا يتوقع له أن يتوقف، فلا دليل ولا معطي يؤكد أن هناك نية لإصلاح ما وقع أو جرى عقب 2003، فالولايات المتحدة، سبب البلاء العراقي، سارعت عقب عملية الموصل إلى الإعلان عن نيتها لدعم نوري المالكي والوقوف إلى جانبه في محاربة الإرهاب، بدلا من أن تتساءل عن الأسباب التي دفعت الناس في الموصل وغيرها من المدن العراقية الأخرى إلى الثورة بوجه هذه الحكومة وهذه القوات التي فعلت الأفاعيل ليس في أهل الموصل وحسب وإنما في أهل العراق. أعجبني محافظ الموصل، أثيل النجيفي، الذي تحدث ليلة الثلاثاء من أربيل عبر قناة البغدادية، عندما وصف الحالة التي جرت في المدينة بعيداً عن أية أجندات سياسية أو حزبية، فالرجل كان يتكلم متألماً لما آلت إليه الأوضاع في مدينته، متهماً القوات الأمنية العراقية وعلى رأسها قادة تلك القوات بالتسبب فيما جرى فهؤلاء لم يكن لديهم أي حس مهني ولم تكن لهم قدرة على التعامل مع أهالي الموصل المدنيين قبل التعامل مع المسلحين. ما جرى في الموصل هو تطهير للمدينة وليس احتلالا، هو تحرير للموصل وليس احتلالها، فالمدينة تعيش منذ 11 عاماً واقعاً مزرياً بفعل التصرفات الطائفية للقوات الحكومية، التي أذلت أهلها وأهانتهم وكانت بحق قوة احتلال غاشمة لا تمت للعراق أو العراقيين بصلة، فما كان من أهل المدينة إلا أن يردوا على تلك السنوات العجاف بمواجهة ومجابهة تلك القوات المتغطرسة. لا يلام أهل الموصل ممن رحبوا بالمسلحين، والذين من بينهم وليس كلهم من تنظيم دولة العراق والشام الإلامية، ولكن يلام من أوصل الناس إلى هذه المرحلة، يلام من وضع المدينة، التي عرفت بانضباطها وكرمها وثقافتها التي شعت قروناً طويلة على كل العراق، في موضع الشك والريبة وزج بخيرة أبنائها في السجون وقتل وشرد الآلاف من علمائها وقادتها من ضباط الجيش العراقي السابق. الموصل اليوم بحاجة إلى إعادة ترتيب أوراقها، على من سيطر على المدينة أن يحسن كيفية الدفاع عنها، ليس بالسلاح وحسب وإنما بطمأنة الناس، بحماية أرواحهم وممتلكاتهم وأرزاقهم، يكون بالتواصل بينهم وبين كل الذين فروا من المدينة كي يعودوا وتفتح دوائر الدولة بشكل معتاد وبعد ذلك تأتي أهمية الاستعداد لمجابهة قوات نوري. وإذا كان البعض ما زال يردد بأن من قام بعملية الموصل هم تنظيم دولة العراق والشام، فإن كل من اتصلنا به أكد لنا أن تنظيم الدولة لم يكن سوى فصيل من بين مجموعة فصائل شاركت بعملية تحرير الموصل، وبالتالي فإن الإلحاح على ذكر تنظيم الدولة على أنه من قام بتحرير الموصل سيساهم فيما يخطط له المالكي ومن خلفه إيران والولايات المتحدة، بالانقضاض على الموصل وأهلها وارتكاب جريمة أخرى تضاف إلى سجله الملطخ بالدم العراقي. الموصل لن تكون الأخيرة في سلسلة الهزائم إلى يتلقاها المالكي، وقبل أن يسأل لماذا رحب أهالي الموصل بمن وصفهم «بالإرهابيين» عليه أن يسأل نفسه «ما الذي دفعهم إلى ذلك»؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.