الأربعاء 17 رمضان / 22 مايو 2019
01:39 م بتوقيت الدوحة

دموع في عيون منكسرة

دموع في عيون منكسرة
دموع في عيون منكسرة
في كتب التاريخ تُروى لنا حياة الأبطال بالتفصيل منذ النشأة إلى أن يلقوا حتفهم، وتمر بهم مراحل الحياة كما تمر بنا الآن، وتختلف باختلاف أصحابها ووجهاتهم، وتنقلب تصاريف القدر بالإنسان بين الطلوع والنزول، ولكن من الصعب أن يتقبل المرء فكرة النزول، بعد أن كان نجماً ساطعاً في سماء المجد.. وهذا بالضبط ما حل على بعض من الشخصيات التاريخية التي أثرت كتب التاريخ بإنجازاتها وانتصاراتها، فكان لها نصيب الأسد من مكانة وعلو شأن وسيادة، ثم تنقلب بهم الآية ليعيشوا الذل والفقر والشتات، وهذا هو التاريخ إذا ذكر لنا انتصارات أهله، فلا بد أن تكون بين الانتصارات دمعة حزينة، وسأذكر لكم شخصيات عاشوا متناقضات الحياة وجميع وجوهها. أبو القاسم المعتمد على الله ابن عباد، ملك من ملوك الأندلس، اشتهر بلقب المعتمد، عاش في بيت الحكم، وولاه أبوه شؤون الحكم منذ الصغر، حتى يكون شخصاً مُهيأً لإدارة شؤون الدولة، وبعد أن توفي والده حكم مملكة إشبيلية، عُرف بحبه للشعر ومجالسة الشعراء، عاش حياة الملوك من نعيم ورفاهية وترف، وعُرف بكرمه فكان شديد الكرم، وكان للشعراء منزلة رفيعة عند المعتمد، وبعد أن دخل في مناوشات مع ألفونسو الذي استولى على طليطلة، وكان يهدف للاستيلاء على إشبيلية، استعان المعتمد بدولة المرابطين، وكان أميرها يوسف بن تاشفين، الذي وضع كفه بكف المعتمد حتى ينتصر على النصارى في معركه اشتهرت بالزلاقة، إلا أن الشخص الذي عاونه وحمى مملكته هو نفسه الشخص الذي كان سبب نفيه وسجنه بعيداً عن بلاده، حتى انتهى حكم المعتمد، وقضى بقية عمره في السجن، وهذا هو الدهر، من تطلب العون منه لا بد أن يفاجئك يوماً ما ويكون سبباً لسقوطك، وقال المعتمد وهو في سجنه: قد كان دهرك أن تأمرهُ ممتثلاً ** فردك الدهر منهياً ومأموراً. وكان من المؤلم أن تكون نهاية المعتمد، هكذا بعد أن كان في عز ورخاء وترف، حتى أنه صار لا يملك قوت يومه، وكان يؤلمه حال أبنائه الذين تشتتوا وقضوا حياتهم بين الفقر والجوع، بعد أن كانوا أسياد قومهم. ومثله تماماً أبو فراس الحمداني الذي عاش عيشة الترف والرفاهية، وكان سيد قومه، ومن أسرة حكمت شمال سوريا والعراق. ترعرع أبو فراس الحمداني في منزل الحكم عند عمه سيف الدولة، كان فارساً مقداماً وشجاعاً ولاه عمه مقاطعة المنبج فدافع عنها وأحسن حكمها، وكان يدافع عن البلاد من هجمات الروم، عُرف بحبه للشعر وكان شاعراً فصيحاً صاحب رائعة: «أراك عصي الدمع شيمتك الصبر أما للهوى نهي عليك ولا أمر؟ بلى أنا مشتاق وعندي لوعة ولكن مثلي لا يُذاع له سر» اشتهر بعشقه للشعر ووفائه لأهله إلا أن تصاريف الزمن شاءت لأبي فراس أن يُغدر به، ولشدة الاشتباكات التي كانت بين الحمدانيين والروم وقع أبو فراس أسيراً على يدهم، وكان باستطاعة سيف الدولة أن يدفع الفدية ليُخرج ابن أخيه، إلا أن سيف الدولة كان يُماطل في ذلك لحاجة في نفسه، وكما أرخ المؤرخون أن سبب ذلك هو غيرة سيف الدولة من ابن أخيه لكثرة ذكره بالمجالس بالخير ومدحه وإعجابهم بشجاعته، فكان يخشى أن يرتفع شأنه ويأخذ مكان عمه.. وكان أبو فراس يرسل قصائد لعمه يلومهُ بأنه لم يدفع الفدية، لكن للأسف لم تصله، وكان أيضاً باستطاعة أبي فراس الهروب من سجن الروم، ولكنه كان يؤمن بأنها ليست من أفعال الشجعان، وبعد أن أطلق صراحه وقعت معركة في حلب، قُتل بها أبو فراس، وكانت من تخطيط وتدبير بطانة ابن سيف الدولة، بعد أن تولى مقاليد حكم البلاد. خلاصة الموضوع أن النعم تزول ولا شيء يبقى كما كان، ومن الصعب جداً أن يتقبل المرء الذل بعد المعزة، ولكنه يستطيع أن يتقبل بل ويرحب بالنعيم بعد الفقر، هي هكذا الدنيا والطبيعة هي إنسان قاسٍ لا يرحم، تصاريف الحياة إذا أقبلت لا تعرف ملكاً ولا خادماً.. وإذا دار الدهر وجهه للمرء تجمعت عليه المآسي وصارت كالأنصال والرماح. من بات بعدك في ملك يسر به فإنما بات بالأحلام مغروراً
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.