الإثنين 22 رمضان / 27 مايو 2019
11:20 ص بتوقيت الدوحة

فيض الخاطر

نعتذر يا خليفة المسلمين

نعتذر يا خليفة المسلمين
نعتذر يا خليفة المسلمين
الخليفة العثماني السلطان سليمان القانوني كان ينتظر من المسلمين على مر العصور أن يترحموا عليه، وذلك نظراً للخدمات الجليلة والفتوحات العظيمة التي تحققت للمسلمين في عصره، ربما عندما تقرأ عنه تعتقد أنك أمام رجل من الأساطير لشدة الإنجازات والإصلاحات التي قدمها لأمته، كانت أكبر مكافأة قدمت له اليوم دعوات بالويل والثبور، وتكال له الشتائم، ويوجه إليه وإلى ملكه أقذع أنواع السب!! وذلك بفضل من؟! الرجل الذي دقت نواقيس النصر عند المسيحيين واليهود احتفالاً بموته، فقد تخلصوا من قائد عظيم، تخرج اليوم في تركيا التظاهرات الكبيرة لتوجيه التهم والشتائم له؟ بل لبقايا أحفاده في مدينة اسطنبول ناعتيهم بأبناء القتلة وسافكي الدم كما نشرت الكثير من الصحف والمجلات. ربما أشرت سابقاً أنني لم أشاهد أياً من المسلسلات التركية، لأنني لست ممن يمتلكون النفس الطويل لحلقات تمتد إلى 300 حلقة ولمدة ساعتين، وما جعلني أنثني عن قراري الدعاية الضخمة للمسلسل والذي سمى «القرن العظيم» والأحداث التاريخية لهذا العصر، وهذا عشق ووله لا أستطيع مقاومته (التاريخ)، ولقد قدم فيه الأتراك أقصى ما يستطيعون تقديمه من ممثلين على درجة كبيرة من الاحترافية، وإمكانات إنتاجية ضخمة فكانت كل لقطات المسلسل لوحات فنية. ولكن سأعيد كلامي للمرة الثالثة (نحن أمة تستمتع بتشويه تاريخها وتمزيق مفاخرها، ونصفق بشدة لمن استغفلونا وتلاعبوا بأفكارنا، الكاتبة ميرال أوكاي، والتي يكتب لها في بداية كل حلقة (لن ننساك)، والتي كتبت على مقدمة قصتها أن معظم الأحداث في المسلسل غير حقيقية أزاحت العتب عن قلبها واستراحت، ليبقى بعد ذلك المشاهدون والذين معظمهم لن يراجع الحقيقة التاريخية بل سيكتفي بمشاهدة أحداث المسلسل، وهذه هي الحقيقة بالنسبة له!!! العالم كله يبكي عند الحلقة العشرين، وهي الحلقة التي قتل فيها السلطان ابنه مصطفى، وقد عشق الناس شخصية الأمير مصطفى الذي كاد يصل فيها إلى حد المثالية، وزرعوا فكرة أن السلطان قتل بيديه أفضل أبنائه مصطفى وبايزيد، وسلم الخلافة إلى أسوأ أبنائه (سليم) والملقب في الكتب الأوروبية (سليم السكير)، وصاحب هذه الحقائق أحداث ملفقة ومزورة تنحبس منها الأنفاس، وعليك أن تقرأ التعليقات من كل بلاد العالم على شخص السلطان الذي يخجل الإنسان من الإشارة إليها. الذي قدم على الشاشات لم يكن قرناً عظيماً، بل كان ماخوراً يدار من قبل النساء، وعلى رأسهم هررم، والتي أعتقد أنه تم تدريبها في (KGB) وكالة الاستخبارات الروسية قبل إنشاء الوكالة بسنين!! لم تكن امرأة بل كانت أخطبوطاً بشرياً بمواهب لم تمتلكها في التاريخ كليوباترا. متى سنرتقي بعقولنا ونستطيع أن نفرق بين التاريخ والدراما التاريخية. التاريخ يسجل أسطراً جافة ملؤها الحقائق، بينما حكاية التاريخ من خلال قصة سيضطر الكاتب فيها إلى إيجاد مجموعة كبيرة من القصص والعلاقات الوهمية حتى يضفي على التاريخ إثارة وتشويقاً ونكهة. هناك من الكتاب من يضفي أحداثاً لا تخل بالإطار العام للحدث التاريخي، وهناك من يستمتع بدس السم في العسل أو على طريقة إعلانات السجائر تقدمها وتكتب معها عبارة السجائر تضر بصحة الإنسان. أذكر أنني عندما كنت صغيرة وأقرأ الروايات التاريخية كنت أعجب من بعض المصطلحات التي يكتبها الكاتب إميل حبشي الأشقر، وظلت هذه العبارة عالقة في ذهني (يجر ذيول النصر)، بينما العبارة تستخدم في العربية للهزيمة، ولكنهم يلعبون على ورقة يدركونها تماماً أن الناس لن تقرأ التاريخ للبحث لنقدم لهم ما نريد برؤيتنا وطريقتنا وألفاظنا وهم يستشبعون بها. اليهود -وكم أعجب من طريقتهم وقدرتهم على تنظيم أنفسهم بعد الشتات- يقدمون تاريخاً مزوراً لأبنائهم، ويركزون عليه حتى مراحل متأخرة، لذلك ينشأ أبناؤهم مرتبطين بهذه الدولة ومزاعمها. بينما نقدم نحن تزويراً تاريخياً لأحداث حقيقية حتى نستطيع نزع هذه النبتة من جذورها، مع اختلاق حالة شعورية قاتمة تجاه عظمائنا. لست ممن يعظمون الدولة العثمانية في كل أوقاتها، ولكن مثلها في التاريخ مثل أي خلافة بدأت قوية ثم دب فيها الضعف، هذا هو حال الأمم والشعوب «وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ». ولكن أعلم أن هذه المرحلة بالذات كانت عظيمة لذلك كنت من المعترضين على الدراما التاريخية لعصر الخلفاء الراشدين وتصوير شخصيات الخلفاء أو الحسن والحسين -رضي الله عنهم أجمعين- في مسلسل تاريخي، ويكفينا أننا إذا قمنا بعرض الأحداث حتى وإن كانت صادقة سيجر الشتائم والسب لآخرين عاصروهم، وهذا لا يمكن قبوله. كل من سبقونا كانت لهم ظروفهم وأسبابهم وأمور نجهلها أجبرتهم على اتخاذ بعض القرارات التي قد لا تروقنا أو حتى قد تثير غضبنا. العالم يوقظ التاريخ في أبنائه ليشعرهم بالعظمة والاعتزاز لرموزهم التاريخية، ونحن نحييه حتى نكيل الشتائم والسب لرموزنا الكبيرة من العلماء والخلفاء تحت مظلة (الدراما التاريخية). إذا أردت أن تكسر هيبة أمة فحقر شأنها في نفوس أبنائها، وحطم كبرياءها، وهمش إنجازاتها، وانسب فضلها إلى غيرها، والقِ بها في أحضان الرغبة في تغيير ماضيها... الأسود!! تحياتي لكل من راجع عقله وعلم أن كل ما يحيط بالمسلمين اليوم حتى ما يقدم لهم من أفلام ومسلسلات وبرامج هواة كله يندرج تحت هدف واحد (سلخ هذه الأمة من ماضيها وحاضرها وواقعها ليسهل قيادتها وتطويعها). وقفة: هل على المسلمين أن يبحثوا عن رمضان آخر يعبدون الله فيه؟ ما كل هذه الاستعدادات الجبارة من المسلسلات والمسابقات لرمضان، والله حق للأمم أن تحسدنا وتغبطنا على روحنا المعنوية العالية، الهزائم تلحق بنا من كل حدب وصوب، والخلافات على أوجها، ورائحة الدماء المسفوكة ملأت بلاد المسلمين، ومع ذلك مخافة أن يصيب المسلمين الإحباطات أو يتمكن منهم الاكتئاب أو أن تدمع أعينهم، فعلينا أن نشغل وقتهم الثمين بالرقص والغناء والحب والتفاؤل والخلاعة، لنكون من الأمم التي تعالت على همومها، وقدمت نموذجاً من التطنيش الذي يستحق الدراسة!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

غبار الأفكار

19 نوفمبر 2015

إثر حادث أليم

12 نوفمبر 2015

قطري ليس من قطر

19 مارس 2015

القيادة الجهنمية

22 يناير 2015

فلسفة الموت والحياة

15 يناير 2015

الرقص مع الذئاب

08 يناير 2015