الثلاثاء 20 ذو القعدة / 23 يوليه 2019
02:01 م بتوقيت الدوحة

طول بالك

اغتصاب القرارات

اغتصاب القرارات
اغتصاب القرارات
مدخل: في اللهجة الدارجة نقول لشخص «شوره مب بيده» عندما نعني أنه لا يمتلك الحرية لاتخاذ القرار. ومن أبرز المشاكل التي قد تواجه الفرد منا عندما يسلب القدرة على اتخاذ القرار، فيبدأ بالشعور بالعجز والقهر، وكأنه لا يملك القدرة على البت في مصيره، وهذا من شأنه أن يجعل قدرة الفرد على التفكير لذاته والتحليل النقدي تختفي شيئاً فشيئاً. وما أريد أن أجلب الانتباه إليه اليوم عزيزي القارئ هو عندما تغتصب القرارات في محيط العمل. كل شخص منا توكل له مهام معينة في عمله حسب توصيفه الوظيفي، ويضطر بناء على خلفيته العلمية وخبرته أن يتخذ قراراً في منظوره هو الأصلح لشركته أو مؤسسته. ولكن في أحيان كثيرة قد يصطدم بجدار يعرفه الكثيرون من الإداريين باسم المركزية. فهناك عدد من الشركات والمؤسسات التي تعمل ضمن هذا الإطار التقليدي من المركزية، حيث تعود كل القرارات لشخص واحد يتخذها، وفي أحيان كثيرة يكون هو المدير العام أو المدير التنفيذي، وهذا الإطار مهم في القرارات المصيرية التي تستوجب مبالغ مالية كبيرة أو ارتباطات مهمة، ولكن المحبط في كثير من الأحيان أنها تكون على أمور صغيرة لا تستحق أن تمر في بيروقراطية العمل التي قد تؤخر القرار، ولا تمكن من التصرف المناسب بالوقت المناسب. ناهيك عن الذكر، أن هذه المركزية من شأنها أن تثقل كاهل المدير العام وتضيع من وقته حتى يتفرغ لمهام تستدعي أهمية أكبر من وقته. والأمر الأكثر حساسية هو عندما يستلزم القرار خبرة علمية غير موجودة لدى هذا المدير، ولكنها موجودة لدى من يعمل معه من الموظفين، صحيح أن هناك الكثير من المديرين ممن يأخذون بتوصيات الموظفين المدروسة، ولكن بعضهم لا يفعل ذلك، وعوضاً عن هذا يضع حسابات أخرى لاتخاذ القرار غير مبنية على دراسة واضحة للمسألة بشكل موضوعي. تخيل معي عزيزي القارئ.. مثالاً بسيطاً يوضح ما أرمي إليه، وهو أن لدينا شركة متخصصة في تصنيع الكمبيوترات، ويوجد لديها طاقم من المتخصصين في مجال هندسة الكمبيوتر والبرمجة الإلكترونية، وقام مسؤول المهندسين بتوصية عامة لتصميم نوع معين من الكمبيوترات، ثم قدم التوصية لشراء الاحتياجات الأولية للتصنيع من مورد معين بناء على المواصفات التي يحتاجها لكي يصمم هذا النوع، وقام المسؤول المالي بتقديم دراسة الجدوى، ووجد أن التكلفة جيدة وممكنة رغم ارتفاع السعر، لأنها سترفع معيار الجودة، ولكن المدير لديه نظرة أخرى عندما يطلع على تقرير كبير المهندسين والمسؤول المالي، فهو يرى أن السعر عال والجودة من الممكن أن يتم الحصول عليها مع مورد آخر، ويتخذ قراراً مخالفاً لما أوصى به، الأمر الذي يعود بالسلب على سمعة الشركة، لأن الجودة تضررت، فهو كان يرى أن السعر هو المقياس الأهم، ولم ينظر لمفهوم المهندس، لأنه لا يملك «الخبرة التقنية» إن صح التعبير لكي يفهم التوصية، ولأن القرار مركزي فهو غير مجبر على أخذ أي توصية، رغم أن الأمر قد يضر بالشركة على المدى الطويل. وقس هذا الأمر عزيزي القارئ على غيرها من الشركات التي تقع تحت طائلة مثل هذه القرارات الفردية غير المفيدة. إننا الآن نعمل في عالم متطور ومتجدد، تتسيد عليه الخبرة التقنية للبت في كافة المجالات، لذا فإنه من الضروري وجود خبرة تقنية في أي قرار مهم داخل أي مؤسسة أو شركة لضمان أن القرار مفيد لمصلحة العمل، وإشراك أكثر من فرد واحد في القرار حتى يتم الحصول على أكبر قدر من المناقشة والطرح في مختلف القرارات، وهذه ظاهرة صحية من شأنها أن تنقح وتؤكد أن الخيار الذي اتخذته الشركة مدروس ومبن على أسس واضحة، عوضاً عن أن يكون فردياً ومبنياً على أهواء شخصية. لكم مودتي واحترامي مخرج: «أشكر صديقي الذي أشار عليّ بهذا الموضوع ورشح لي العنوان وناقشني فيه، فمن غيره كانت ستكون صفحتي خالية هذا الأسبوع».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.