الثلاثاء 21 شوال / 25 يونيو 2019
02:19 ص بتوقيت الدوحة

صراع المشاريع الخاتمة: المشروع المنشود

صراع المشاريع الخاتمة: المشروع المنشود
صراع المشاريع الخاتمة: المشروع المنشود
جاءت قريش وشكت النبي إلى أبي طالب فكان جوابه عليه السلام لعمه وهم يسمعون: «يا عم، إني أريدهم على كلمة واحدة يقولونها، تدين لهم بها العرب، وتؤدي إليهم بها العجم الجزية»، ففزعوا لكلمته ولقوله، فقالوا: كلمة واحدة؟ فقال أبوجهل من بين القوم: ما هي وأبيك؟ لنعطينها وعشرة أمثالها؟ قال:»لا إله إلا الله» قال: فقاموا فزعين ينفضون ثيابهم. إن كلمة لا إله إلا الله ليست مجرد كلمة تقال، بل هي دعوة نبوة في طياتها مشروع نهضة أمة، وينبغي العلم أنه لم تقم أمة ولم تنهض من دون أن يكون لها مشروع أو فكرة مركزية تطمح إليها وتتمحور حولها أهدافها، وتوظف لإنجاحها إمكاناتها وقدراتها، يقودوها رجال أفذاذ يقومون بتحويل المشروع من مجرد أفكار وأحلام في الذهن إلى واقع معاش، ويبذلون الجهود لجعله مشاهدا وملموسا، متحملين في سبيله التضحيات والآلام ومتخطين المصاعب والعقبات. إن أهم فوائد علم التاريخ الاستفادة من دروسه وعبره واستخراج السنن والأفكار النافعة ومعرفة عناصر قوة الأمم وأسباب ازدهارها لاكتسابها، وعناصر ضعفها وأسباب سقوطها لاجتنابها. وقد رأينا بوضوح فيما مر معنا من صراع المشاريع كيف كانت بداياتها أفكارا عند أصحابها كـ «ميمون القداح» و «أوربان الثاني» والوزير «نظام الملك» و «جنكيزخان»، وكيف تحولت بعد ذلك واقعا قائما عاش لقرون. وإذا كان ذلك واضحا في مشاريع هؤلاء فهو أشد وضوحا في الوقت الحاضر من خلال المشروع الذي تقدم به الآباء المؤسسون في أميركا بداية نشأتها وكمشروع الاتحاد الأوروبي وغيرها. وهذا هو المنوط بكل أمة أو شعب تريد النهوض أن تتبنى مشروعا فكريا يحقق من خلاله تطوير وتنمية بلدها ورفاهية وعزة شعبها، وهو مطلوب بشكل أكثر إلحاحا من الأمة العربية الإسلامية إذا أرادت تغيير واقعها أن تتبنى مشروعا فكريا واضح المعالم، خاصة في ظل وجود صراع مشاريع معادية اليوم في قلب العالم العربي والإسلامي تستهدف اجتثاثها والقضاء عليها أو إذلالها ونهب ثرواتها، كالمشروع الصفوي والمشروع الصهيو-غربي. إن المطلوب من المشروع الإسلامي الحضاري المنشود أن يكون وجها مشرقا للإسلام، ويمثل المظهر المتجدد والمجسد لحلم الأمة الواحدة القوية العادلة، وأهم مقومات هذا المشروع ما يلي: 1 - أن يكون الأساس الذي يقوم عليه هو القرآن الكريم والسنة النبوية بفهم حضاري يستحضر مقاصد الدين، ويعي روح العصر، ويحقق مصالح العباد الذين هم نواة وقلب وقطب المشروع. 2 - التزام المبادئ الإسلامية والقيم الأخلاقية التي حث عليها الشرع واقتضاها العقل، مثل العدل والمساواة بين الناس والرحمة بالبشر والحيوان وسائر مكونات الحياة. 3 - الاستفادة من معطيات العصر الفكرية والتقنية، والتي دعت إليها وأمرت بالأخذ بها واستيعابها مقاصد الشريعة واقتضتها بدهيات العقول، مثل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة والشفافيات وأمثالها، مع مراعاة تكييفها كي لا تعارض وقطعيات الدين. 4 - العمل في الداخل على سيادة القانون والدعوة للحفاظ على الأخلاق العامة والقيم والاهتمام برفع معيشة المواطنين من خلال تحقيق العدالة الاجتماعية وإتاحة العمل الشريف وفتح آفاق للعمل الخاص وباختصار تحقيق التنمية العامة، كما قال عمر رضي الله عنه: «لم أبعث عمالي ليضربوا أبشاركم ويأخذوا أموالكم، وإنما ليعلموكم دينكم ويقيموا العدل فيكم»، وتولية الأكفاء كما قال أيضا: «أرأيتم لو وليت عليكم خياركم ثم أمرتهم فيكم بالعدل أأكون أحسنت؟ قالوا: نعم. قال: كلا حتى أنظر أعدلوا أم لا». 5 - الحرص على تقريب واحتواء شركائنا في الوطن والتاريخ والحضارة من الأقليات الدينية والمذهبية، واعتبارهم جزءا أصيلا من الأمة بمعناها الواسع، والمساواة معهم في الحقوق والواجبات العامة، والحرص على جعلهم عناصر بناءة كي لا يستغلوا من قبل أطراف خارجية، والمتصفح للحضارة العربية الإسلامية يرى إسهامات جليلة للكثير من أبناء الأقليات علميا وفكريا وثقافيا، كما يرى أنه لم يحصل في تاريخنا أن مورس التطهير العرقي في حق أقلية ما من الأقليات بسبب عرقها أو دينها أو مذهبها، وذلك عكس ما حصل في حضارات ومذاهب أخرى شاهدنا بعضها في العصر الحديث مثل البوسنة والهرسك، كما نشاهد اليوم حربا مستعرة في عراق ما بعد صدام قائمة على الطائفية. مع ضرورة احترام الأقليات لثوابت دين الأمة ورموزها لما ينزع أسباب العداوة والبغضاء ويخدم الوحدة الوطنية والشراكة الحقيقية ويحقق المودة والرحمة. 6 - امتلاك أسباب القوة المادية والمعنوية والمساهمة بدور خارجي إيجابي والتعاون البناء مع دول العالم تعاونا قائما على نصرة المظلومين-كما حصل في حلف الفضول- وتقديم الهداية والمنفعة والخير والرحمة للبشرية جمعاء انطلاقا من قوله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). 7 - السعي للتكامل بين الدول والقوى الإسلامية بما يخدم الأمة والمصالح المشتركة مع مراعاة خصوصيات وظروف كل دولة على حدة، ويكون ذلك بالتراضي كما حصل في الاتحاد الأوروبي. إن ما سبق ليس سوى خطوط عريضة للمشروع الحضاري الإسلامي المنشود، والذي يعتبر وجوده ضرورة وجودية للأمة لاستعادة مكانتها اللائقة بين الأمم. وكما قال أهل المنطق: إن «الحدوث دليل الإمكان» بمعنى أن ما حدث في الواقع مرة يمكن حدوثه أكثر من مرة، وقد سبق أن تحقق المشروع الحضاري الإسلامي القدوة على عهد الخلافة الراشدة فكان على مستوى عال في مجال العدل والرحمة بمواطنيها، وما تمثل فيها من القيم السامية، وبما تملكت من أسباب القوة المادية فحققت الازدهار والانتصارات في فترة قياسية. والأمة اليوم بعد توكلها على ربها، وبأخذها بسنن الله تعالى في الأرض والتعامل معها بوعي كسنة الأخذ بالأسباب والوعي بصراع المصالح -أو سنة التدافع كما سماها القرآن الكريم- وسنة التدرج قادرة بإذن الله أن تستعيد دورها المنشود وما ذلك على الله بعزيز. قال الشاعر: وما استعصى على قوم منال إذا الإقدام كان لهم ركابا وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الدنيا غلابا
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

استثمار في العباقرة

12 يونيو 2014

صانع الفرق

29 مايو 2014

صانع الملوك

15 مايو 2014