الثلاثاء 14 شوال / 18 يونيو 2019
05:45 م بتوقيت الدوحة

نعم لعسكرة المجتمع الخليجي

نعم لعسكرة المجتمع الخليجي
نعم لعسكرة المجتمع الخليجي
هل من الصدفة أن الشعوب التي عاشت في ظروف مناخية صعبة كانت شعوباً منتجة للحضارات؟ هذا السؤال كان دوماً يجول في خاطري كلما نظرت لخريطة الحضارات القديمة والحديثة، فالحضارات القديمة نشأت في ظروف مناخية شديدة الحرارة، ونرى في العصر الحديث أن عصر النهضة الأوروبية ومولد الحضارة الغربية المعاصرة نشأ في ظروف مناخية باردة، وفي وقت كانت دمامل الطاعون لم تنجل كلياً عن أوروبا، الذي قضى على ثلث سكانها، وهذا منافٍ لنظرية نخبة من علماء التاريخ والاجتماع الذين يربطون تطور الحضارات بتوفر الغذاء والماء واعتدال المناخ، فمن وجهة نظري أن هنالك شعوباً عاشت في غابات وأدغال يتوافر فيها الصيد والماء واعتدال المناخ، ولكن إنتاجها الحضاري كان أقل بالمقارنة مع الإنسان الشرق أوسطي الذي كان يعيش ظروفاً بيئية صعبة، مما حداه أن يبدع طرقاً جديدة للعيش، فكانت الكتابة والزراعة أعظم اختراعين قدمهما ذلك الإنسان للبشرية. ولا ننسى أسلافنا بالأمس القريب في ميزان التاريخ كيف خرجوا من صحرائهم وشيدوا حضارات ما زالت معالمها منتشرة في أصقاع الأرض، وكان أحد أسباب نهضتهم وتفوقهم السريع أنهم عاشواً قروناً وهم في حروب داخلية صقلتهم وجعلت من مجتمعهم مجتمعاً عسكرياً صارماً، فبالتالي عندما جاءت رسالة الإسلام كانوا أقدر أهل الأرض على إيصالها، وهذا المفهوم كان قد فطن إليه الفاروق عمر، ذلك العبقري الذي سبق جيله بقرون عندما أمر أن تبنى الكوفة والبصرة في مناطق صحراوية بعد أن لاحظ أن من عادوا من المدائن قد ذهبت عنهم قساوة الصحراء وهيبتها. وإذا انتقلنا إلى العصر الحديث نجد أننا لم نفطن إلى ما فطن إليه الفاروق عمر (رضي الله عنه)، فعندما منّ الله علينا بنعمة النفط حدث زلزال مفاجئ للمجتمع، حيث تُرِكت حياة الصحراء، وركوب البحر -وهي الكليات العسكرية التي خرّجت أجدادنا- وانتقل المجتمع إلى حياة الرفاهية، وأصبح يعتمد على العامل الأجنبي في أغلب أمور حياته اليومية. القول إن رفاهية الشعوب تعينها على الإبداع هو قول صحيح، ولكنه أيضاً يحمل بذور فناء الأمم، فإذاً متى تكون الرفاهية هي سلم الإبداع؟ من وجهة نظري أنها تكون سلماً للإبداع عندما نعرف كيف نخلق معادلة اجتماعية (Formula) لا تسلب المجتمع رفاهيته، وفي نفس الوقت لا تسلبه أيضاً همته للعمل والإبداع. فالمجتمعات المترفة جداً تكون مجتمعات رخوة، والمجتمعات الجائعة ينحسر تفكيرها في إشباع بطونها، إذا فما هو الحل؟ من وجهة نظري أن أحد أهم الحلول هو أن يكون هنالك عسكرة للمجتمع وإدخال الحياة العسكرية في روتين حياة المواطن اليومية، وبالطبع لن يكون هذا بإدخال المجتمع في حروب عبثية كما يقول موسوليني في كتاباته، بل بمزج الحياة المدنية بالحياة العسكرية، بحيث يكون الضبط والربط والنظام متساوياً في المؤسسات المدنية والعسكرية، ويكون هنالك دورات عسكرية دورية سواء كل سنتين أو ثلاث للمواطنين، يتم فيها صقل المجتمع ليس فقط في الأمور العسكرية القتالية، بل صقل شخصياتهم وإزالة الشوائب النفسية التي تراكمت منذ الطفرة النفطية، كروح الفوضوية والاتكالية إلى روح النظام والجدية. وهنا لن نكون في حاجة إلى مدربين عسكريين فقط لتعليم حمل السلاح ورفع اللياقة البدنية، بل سنحتاج إلى علماء نفس يضعون برامج الإعداد النفسي للدورات لتكون الدورات دورات مزدوجة في البناء النفسي والبدني للمواطن، وحتى لا تكون تجربتنا نسخة من تجارب عربية فاشلة في عسكرة المجتمع بحيث اهتمت بتعليم حمل السلاح وأهملت بناء الإنسان أعظم وأخطر سلاح، فعاشت تلك المجتمعات في فوضى عارمة ينخرها الفساد. ولئن كانت الأمم الأخرى لديها أسبابها لعسكرة مجتمعاتها، فلدينا ألف سبب وسبب لنعسكر مجتمعنا الخليجي، وهنا أتوجه بالشكر لبلدي قطر، حيث بدأت بتطبيق قانون التجنيد الإجباري، وهي الخطوة الأولى لطريق الألف ميل، كما أحث باقي دول الخليج أن تتبنى عسكرة مجتمعاتها، لأنه سيوفر عليها المليارات التي يتم هدرها بسبب سلوكيات المجتمع الخليجي الخاطئة، وسيضيء لها مستقبلاً مشرقاً، يعيش فيه مجتمع خليجي قوي ليس بدنياً فقط بل فكرياً وسلوكياً.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا