الإثنين 11 رجب / 18 مارس 2019
08:38 م بتوقيت الدوحة

خطاب الثوابت

218
خطاب الثوابت
خطاب الثوابت

جاء خطاب حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى في افتتاح قمة الكويت أمس، تأكيداً للثوابت القطرية، التي ظلت راسخة ومحافظة على نسقها الداعي دوماً إلى نبذ الخلاف، والعمل على تحقيق وحدة العمل، ودعم خيارات الشعوب في التحرر. وربما من المفيد هنا التذكير بكلمات سموه في امتداحه الكويت، التي وقفت تحيي حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير البلاد المفدى، وهي ترى فيه قائداً شاباً طموحاً، يضع نصب عينيه مشاكل أمته قبل كل اهتمام، فكان لافتاً ذلك الاستقبال الكويتي، على المستويين الرسمي والشعبي، مما يؤكد عمق العلاقة والروابط بين الدولتين الشقيقتين. لقد ركز سمو الأمير في خطابه أمس على قضية العرب المركزية فلسطين، معتبراً إياها أهم التحديات التي تواجه الأمة، مجدداً التأكيد على الموقف القطري الثابت في دعم القضية الفلسطينية، مذكراً في هذا الصدد بالصندوق القطري لدعم القدس، الذي أقر في قمة الدوحة العام الماضي، بقيمة مليار دولار، تبرعت قطر بربع قيمته، إلا أن الأشقاء للأسف لم يلتزموا بتنفيذ ما عليهم من التزامات مالية، كانت كافية لتشكل دعامة للمقدسيين في تعزيز صمودهم أمام هجمة التهويد التي تشنها إسرائيل. إسرائيل التي ما زالت تماطل وما زالت تسعى لتهويد القدس، وهي بحق -كما وصفها سموه في خطابه أمس- العقبة الأبرز في وجه تحقيق أي تقدم في سبيل تحقيق عملية السلام المنشود، بل إن إسرائيل ما زالت تحاصر نحو مليوني إنسان فلسطيني في غزة، وتحرمهم أبسط حقوق الحياة، حصار بات واضحاً أنه ينفذ أيضاً بأياد عربية، وهو ما دفع بسمو الأمير في خطابه أمس إلى التذكير بحصار غزة، داعياً العرب إلى موقف حازم لرفع الحصار عن الشعب الفلسطيني في غزة. لقد التزمت قطر -وما زالت- بتعهداتها في مد شعب غزة بكل ما يمكن أن يساهم في تعزيز صموده، وما زالت المشاريع القطرية أيضاً -التي أقرت لإعادة إعمار القطاع- متواصلة دون توقف، بالقدر الذي تسمح به الظروف المحيطة. وما زالت ثورة الشعب السوري تشكل ملفاً قوياً في القمم العربية للعام الثالث على التوالي، دون أن يجد العرب -قبل المجتمع الدولي- سبيلاً لمساعدة الشعب السوري الذي يتعرض لإبادة جماعية على يد النظام السوري، ومن هنا جاءت دعوة حضرة صاحب السمو في خطابه أمس إلى ضرورة إيجاد حل سياسي شامل لمعاناة السوريين، منوهاً بالوقت ذاته إلى أن النظام -ومن خلال المفاوضات- يسعى لكسب الوقت والمماطلة، حتى أفرغ المفاوضات من محتواها، وشاهد العالم كيف استغل النظام المفاوضات في جنيف1 و2، لزيادة عملياته العسكرية تجاه المدنيين. الشعب السوري الذي واجه بصدور عارية نيران النظام، بحاجة ماسة إلى وقفة عربية قادرة على أن تضع حداً لمعاناته، خاصة أنه -على ما يبدو- مصمم على المضي في طريق العنف بلا هوادة. ولأن قطر كانت -وما زالت وستبقى- داعمة للشعب المصري وخياراته، جاء تأكيد سموه على أن العلاقة التي تربط قطر بمصر الشقيقة أكبر من أي خلاف، فقطر سعت -ومنذ اللحظة الأولى لانطلاق ثورة الشعب المصري- إلى الوقوف إلى جانبه، وكانت اليد القطرية البيضاء حاضرة في تقديم العون للشعب المصري، وتمثل ذلك بالوديعة القطرية التي شكلت عاملاً مهماً في دعم الاقتصاد المصري، الذي كان يعاني عقب الثورة، بالإضافة إلى شحنات الغاز القطري المجانية التي تبرعت بها قطر للشقيقة الكبرى مصر، في وقت كانت فيه بأمس الحاجة لمثل هذا الدعم، لتؤكد قطر أنها تدعم الشعب المصري، بغض النظر عن طبيعة النظام الحاكم، وكلنا يتذكر أن كل هذه المساعدات القطرية جاءت في أيام المجلس العسكري. ولم يفت سمو الأمير أن يذكر العراق في كلمته، الذي يعاني اليوم من أزمة تهدد كيانه، بفعل السياسات الإقصائية التي تمارس من قبل حكومته، مجدداً التأكيد أن الإرهاب لا دين أو مذهب أو فئة اجتماعية له، وإنما هو فعل مدان بكل الأعراف والشرائع. وهنا لا بد من التأكيد على أن استخدام ذريعة الإرهاب للانتقام أو الانتقاص أو الإقصاء لهذا الطرف أو ذاك لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من التأزيم والتعقيد. إن الحكومات العربية التي تمارس سياسة الإقصاء هي من تعمل على تفتيت اللحمة الوطنية لبلدانها، وبالتالي فإن أسلوب إلقاء التهم بالإرهاب، واتهام هذه الدولة العربية أو تلك بأنها تدعم الإرهاب، إنما هو أسلوب الفاشلين الذين بدلاً من أن يواجهوا مشاكل صنعوها هم بسياساتهم، فإنهم يهربون إلى الأمام لاتهام هذا البلد أو ذاك. لقد حرص سمو الأمير على تذكير القادة العرب بمبادئ العدل ومراعاة حقوق الشعوب، لخلق نوع من التلاحم الإيجابي الذي يفجّر الطاقات وينمي الإنتاج، حين ذكّر بما قاله الرسول الكريم صلى لله عليه وسلم : «خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». اليوم ونحن نقف على مفترق طرق، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقات الخليجية- الخليجية، يجدر بنا أن نرى الأمور من منظار المصلحة الوطنية العليا، لا من منظار الخلافات في وجهات النظر حيال هذا الملف أو ذاك، فنحن في دول مجلس التعاون الخليجي لدينا تجربة رائدة، يجب أن يبنى عليها، وأن نعززها بمزيد من التعاون، لا أن نصطنع العداء والمشاكل بما لا يخدم إلا أولئك المتربصين بنا. لقد جاء خطاب سمو الأمير في افتتاح قمة الكويت أمس شاملاً، نابعاً من سياسة قطرية ظلت ثابتة في التعاطي مع مختلف الملفات العربية، مؤكداً أن لقطر رؤية لا تتغير، رؤية تنبع من دبلوماسيتها العريقة التي تعاطت مع ملفات شائكة بنجاح، قلما تحقق لأحد غيرها.

التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.