السبت 14 شعبان / 20 أبريل 2019
07:28 م بتوقيت الدوحة

صراع المشاريع الحادي عشر: القراءة الواعية للتاريخ

صراع المشاريع الحادي عشر: القراءة الواعية للتاريخ
صراع المشاريع الحادي عشر: القراءة الواعية للتاريخ
لقد سرنا سوياً في هذه السلسلة التاريخية والفكرية المسماة «صراع المشاريع» برحلة طويلة من الزمن، حيث بدأنا في الحلقة الأولى من نهاية القرن الهجري الثالث إلى أن وقفنا في الحلقة العاشرة عند القرن الثامن الهجري، عندما حرر الملك الناصر محمد بن قلاوون جزيرة (أرواد) آخر معقل للصليبيين فوق الأرض العربية الإسلامية عام 702 هـ. وقراءة التاريخ قراءة تدبر واعتبار لاستخلاص الدروس والعبر من أهم علامات وعي الأمم وأسباب نهوضها، ويكفي لنعرف أهمية العلم بالتاريخ وتدبره أن أعظم كتاب على وجه الأرض وهو كتاب الله سبحانه ثلثه قصص تاريخية للأنبياء مع أقوامهم، ولم يحتل البعد التاريخي هذه المكانة له في القرآن الكريم عبثاً وإنما للاستفادة وأخذ العبرة والعظة لحياتنا المعاصرة ومستقبلنا قال تعالى (لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ). والتاريخ بنظرة عميقة يعرفه ابن خلدون بأنه: فن عزيز المذهب، جم الفوائد، شريف الغاية، إذ هو يوقفنا على أحوال الماضي من الأمم في أخلاقهم والأنبياء في سيرهم والملوك في دولهم وسياساتهم حتى تتم فائدة الاقتداء. وانتقد ابن خلدون من يقرأ التاريخ بسطحية قائلاً (لم يلاحظوا أسباب الوقائع والأحوال، وذلك لأنهم لم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، لأنهم لم يفهموا من التاريخ إلا ظاهره، وهو ذلك الذي لا يزيد على أخبار الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى...) وأنهم افتقدوا فقه التاريخ والوعي بعمقه بفكر وتدبر والذي وصفه بأنه (نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق فهو لذلك أصيل في الحكمة وجدير أن يعد في علومها وخليق). لقد كان فهم ابن خلدون العميق للتاريخ سبباً في نظريته في الحضارة والبداوة والعصبة والعمران واكتشاف علم الاجتماع وأسباب نشوء الدول وسقوطها الذي أهله لتبوء مكانة عظيمة في الفكر الإنساني، يقول المؤرخ البريطاني أرنولد تونبي: ابتكر ابن خلدون وصاغ فلسفة للتاريخ هي بلا شك أعظم ما توصل إليه الفكر البشري في مختلف العصور والأمم. ويعتبر تونبي أهم مؤرخ في القرن العشرين وأعمق باحث في الحضارات بشكل مفصل وشامل وأمضى في دراسة وتأليف موسوعته «دراسة التاريخ» واحداً وأربعين عاماً من عمره فسر بها نشوء الحضارات وقوتها وازدهارها بنظريته الشهيرة «التحدي والاستجابة» والتي يقصد بها أن الأمم أو الحضارات إذا تعرضت إلى صدمة حضارية أو هزيمة قاسية فإنها تفقد توازنها لفترة مؤقتة، ثم تستجيب لهذا التحدي بأحد نوعين من الاستجابة، النوع الأول وهو الاستجابة السلبية للتحدي، وذلك بالنكوص إلى الماضي لاستعادته والتمسك به تعويضاً عن واقعها المر، ما يؤدي إلى انطوائها على ذاتها وضعفها واضمحلالها، أما النوع الثاني وهو الاستجابة الإيجابية للتحدي من خلال تقبل هذه الصدمة والاعتراف بها ثم العمل من أجل التغلب عليها. وأرجع تونبي أن نمو الحضارة وقوتها يعود لما سماه «الدافع الحيوي» وهو الطاقة الكامنة لدى الفرد والمجتمع التي تنطلق بغرض التحقيق الذاتي. ويفصل ذلك قائلاً: إن الشخصية النامية أو الحضارة الناهضة تسعى إلى أن تصير هي نفسها بيئة نفسها وتحدياً لنفسها ومجال عمل لنفسها، بعبارة أخرى أن مقياس النمو هو التقدم في سبيل التحقيق الذاتي، وذلك عن طريق المبدعين من الأفراد أو بواسطة الفئة القليلة من هؤلاء القادة الملهمين إذ تستجيب لهم الأكثرية عن طريق المحاكاة التلقائية التي تمثل الطريقة الغالبة في عملية الانقياد الاجتماعي. حيث قال: إنه في المجتمعات البدائية تقود هذه المحاكاة إلى حركة ماضوية تنزع للتشدد في تقليد القدماء، بينما في المجتمعات الحضارية النامية هي حركة تقدمية تؤدي إلى محاكاة الطليعة الخلاقة. أما على صعيد سقوط الحضارات فيرى تونبي أنه يعود لثلاثة أسباب: 1. ضعف القوة الخلاقة الموجهة وتحول القيادة إلى سلطة تعسفية. 2. تخلي الأكثرية عن موالاة الأقلية الجديدة المسيطرة وكفها عن محاكاتها، لأنها لا تجدها تعبر عن ذاتها وأحلامها. 3. الانشقاق وضياع الوحدة في كيان المجتمع. والخلاصة: أن دراسة التاريخ وأحداثه المتنوعة، كما عرضنا في سلسلتنا «صراع المشاريع» ليست مجرد مواضيع للتسلية أو بغرض إثارة العداوات والأحقاد الماضية، وإنما هدفنا إلى دراسة التاريخ بوعي دراسة تضيء الكثير من المناطق المظلمة، وتجيب على الكثير من الأسئلة المحيرة وتزيل الاضطراب والغبش في فهم الأحداث والقوى المحيطة بنا، كما أنها تنضج رؤيتنا للمستقبل، لأن الوقوف مع الماضي بعمق ووعي هو جسر أساسي لاستشراف المستقبل. يقول الشاعر: مثل القوم نسوا تاريخهم كلقيط عي في الناس انتسابا أو كمغلوب على ذاكرة يشتكي من صلة الماضي انقضابا
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

استثمار في العباقرة

12 يونيو 2014

صانع الفرق

29 مايو 2014

صانع الملوك

15 مايو 2014

للنجاح معنى آخر

24 أبريل 2014

إدارة القلق

10 أبريل 2014