الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
08:04 ص بتوقيت الدوحة

حكمة قطر تنتصر

حكمة قطر تنتصر
حكمة قطر تنتصر
مضى نحو أسبوع منذ القرار المفاجئ لكل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين القاضي بسحب سفرائها من قطر، ومع ما رافق هذا القرار من كثير من الغبار، وسيل الحبر الذي أراقته أقلام هنا وهناك، إلا أن الموقف القطري المتمثل بالهدوء والحكمة والتعامل بدبلوماسية وأخوية، أزعج الكثيرين على ما يبدو، خاصة بعد أن استخدم هذا الكثير كل أساليب الاستفزاز، فلم ترد قطر على القرار بالمثل، وبقيت تؤكد في كل مناسبة أن ما يجمعها مع أشقائها أكبر بكثير مما يفرقها. لقد آتت الحكمة القطرية أُكُلها سريعاً، فلم يكد يمضي أسبوع واحد على هذا القرار الذي يمثل سابقة، حتى لاحظنا أن حجم التفاعل والتأييد لقطر أكبر بكثير مما كان يتوقع البعض، ولعل نظرة من قريب على بعض المواقف الخليجية من داخل الدول التي سحبت سفراءها، تجعلنا ندرك ذلك بشكل جيد، هذا بالإضافة إلى الإعلام الخليجي في الدول التي لم تسحب السفراء، حيث وقف الإعلام الحر مع قطر، رافضاً سياسة ليّ الذراع التي انتهجت ضدها. متابعة لبعض «الصراخ» الذي ظهر على شكل تحليل ووجهات نظر في بعض الفضائيات والإذاعات، مثير للاستغراب والسخرية في الوقت ذاته، فلم يقدم أحدهم أي دليل على أن لقطر أي تدخل سلبي في دول الخليج العربي، ولم يجد هؤلاء سوى الحديث عن خطبة للشيخ يوسف القرضاوي، أو تغريدة قالها مقيم عربي بحق الإمارات، أو في أحسن الأحوال وجدوا أن أحمد منصور -الإعلامي بقناة الجزيرة- كان متواجداً في رابعة أيام التظاهرات المصرية التي أعقبت الانقلاب العسكري على الرئيس المنتخب محمد مرسي. وأعتقد أننا لو فتحنا الباب أمام من يسيء لمن، ومن أي منبر وبأي صفة، فأعتقد أن لقطر الحق -كل الحق- أن تعترض وتحتج على الكثير من الإساءات التي صدرت بحقها من قبل إعلام وإعلاميين وأمنيين وقيادات خليجية، غير أن قطر ترفعت وتجاهلت كل تلك الأبواق والأقلام، لأنها دأبت على الحكمة والترفع عن «الصغائر» واعتادت أن لا ترد الإساءة بمثلها، ليس من موقف الضعف، وإنما حرصاً على الأشقاء والعلاقة معهم. لا أعتقد أن هناك من يجهل اسم ضاحي خلفان، الذي صور نفسه يوماً ما عقب اغتيال القيادي في حماس محمود المبحوح -بين ظهراني أجهزة خلفان الأمنية- على أنه «شارلوك هولمز» زمانه، وظهر على الجزيرة -التي ينتقدها ليل نهار- ليتحدث عن بطولاته الوهمية، دون أن ينجح -طبعاً- في تقديم أي من المتهمين في اغتيال المبحوح للمحاكمة، لأنه -أصلاً- فشل في إلقاء القبض على أي منهم، ولم يجد سوى الكاميرات ليشرح كيف دخلوا ومتى دخلوا وبأي طريقة نفذوا جريمتهم.. و»هولمز» كان يغط بالعسل، أو أنه «عارف وساكت». ضاحي، لم يكن يمر يوم دون أن يتعرض لقطر بالإساءة والتجريح، ولم تعره قطر أي اهتمام، لأنها رأت فيه شخصاً لا يستحق الرد، علماً أن ضاحي يحمل صفة رسمية وأمنية في الشقيقة الإمارات، فلماذا تُرك ضاحي يغرد دون رقيب أو حسيب؟ لماذا لم تقم الجارة الإمارات بلجمه؟ وفي الوقت ذاته تطالب قطر بمنع القرضاوي من التعرض للإمارات؟ ولم يتوقف مسلسل الإساءات عند هذا الحد، فكلنا يتذكر جيداً الإساءات التي وجهت لصاحب السمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني من المدعو أحمد الكبيسي عبر قناة دبي، ومع ذلك لم تطلب قطر من الشقيقة الإمارات وقف الكبيسي أو تقديم الاعتذار، وترفعت عن الحديث في مثل هذه المواضيع. أما أحمد شفيق -آخر رئيس وزراء في عهد الرئيس المخلوع حسني مبارك- فمعروف كيف تهجم من الشقيقة الإمارات على قطر وسيادتها عبر تلفزيون دبي، وكيف اتخذ من الإمارات منبراً لمهاجمة قطر بشكل صلف، لا لشيء سوى لأن قطر وقفت مع إرادة الشعب المصري بوجه جلاديه. وهنا لا بد أن نذكر أصحاب الذاكرة المثقوبة بأن محمد دحلان -عميل إسرائيل الأول في فلسطين، والمطرود حتى من قِبل منظمة التحرير الفلسطينية، والذي هوجم حتى من قبل الرئيس محمود عباس- يقيم في الإمارات، ويسيّر الكثير من دفة السياسة الخارجية والأمنية لهذا البلد، وهي سياسة اتخذت طابعاً عدائياً منذ أن وطأت أقدام دحلان أرض الإمارات. وإذا كان البعض يستكثر على الإعلام القطري الدفاع عن وطنه، وهو واجب وطني، فإننا نذكر البعض بأن إعلام الأشقاء لم يتوقف -ومنذ وقت ليس بالقصير- عن النيل من قطر، وهنا نحيل أصحاب الذاكرة المثقوبة إلى مانشيتات صحف ممولة خليجياً تصدر في هذه العاصمة أو تلك، وهي تهاجم قطر ليل نهار وبالأخص من العاصمة لندن. لقد ترفعت قطر عن الرد على الكثير مما وُجّه لها، ليس ضعفاً، فالجميع يعرف أن لقطر اليوم صوتاً قادراً على أن يزلزل الأرض لو أرادت ذلك، وإنما ترفعت قطر لأنها تدرك أن أي عارض بين الأشقاء يجب أن لا يخرج من محيطه الطبيعي، وأن أمن قطر من أمن الأشقاء في منظومة مجلس التعاون، لأن ما يجمعنا أكبر من سياسة تختلف باختلاف بعض وجوهها، فنحن أبناء جغرافيا واحدة، وحضارة واحدة، ودين واحد، وتاريخ مشترك، وروابط عائلية لا يمكن لها في يوم من الأيام أن تنفض. ونجحت حكمة قطر، ونجح موقفها الحريص على لحمة هذا الكيان، ويوماً بعد آخر يتجسد هذا النجاح، تأييداً إعلامياً، بدأ يمتد إلى داخل بيوت الأشقاء ممن سحبوا السفراء.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.