الثلاثاء 14 شوال / 18 يونيو 2019
04:53 ص بتوقيت الدوحة

صراع المشاريع عاشراً: نهاية المشروع الصليبي

صراع المشاريع عاشراً: نهاية المشروع الصليبي
صراع المشاريع عاشراً: نهاية المشروع الصليبي
كان المشروع الصليبي أطولَ المشاريع المعادية للأمة عُمرا وأكثرَها استنزافا لطاقتها وإرهاقا لها، وقد استمر فترة طويلة من الزمن تعاقبت على حربه دولٌ إسلامية كثيرة حتى قدَّر الله سبحانه أن تكون نهاية وجودهم كإمارات وحكام على يد المماليك كما سنرى. والمماليك لقب يُطلق على رقيق آسيوي من الترك الجراكسة موطنهم الأصلي بلاد «القبجاق» في حوض نهر الفولغا شمال البحر الأسود شرق القوقاز، وقد أكثر سلاطين الدولة الأيوبية ثم دولةُ المماليك في بداية أمرها من شراء هؤلاء المماليك لدعم القوة الحربية بعد تنشئتهم على الإسلام وتربيتهم على الفروسية والطاعة. وكانت بداية الدولة المملوكية عام 648هـ بعد مقتل آخر السلاطين الأيوبيين «توران شاه» وتولِّي «شجر الدر» السَّلطنة والتي لم تستطع البقاء أكثر من 80 يوما لرفض المزاج العام حكم امرأة للبلاد، فاضطرت للزواج من أحد كبار المماليك وهو «عز الدين أيبك» وتنازلت له عن الحكم. وبعد مقتل «شجر الدر» و «عز الدين أيبك» آل ملك السلطنة المملوكية في الشام ومصر إلى «المظفر قطز» والذي على يديه كانت هزيمة المغول القاصمة في معركة «عين جالوت» الشهيرة، إلَّا أنه قتل بعد المعركة، ولم تُتح له فرصة قتال الصليبيين. فآل الأمر من بعده إلى «الظاهر بيبرس» والذي قضى السنوات الخمس الأولى من حكمه في توطيد دعائم الدولة، فبنى أبراج ومنائر المراقبة على أطراف البلاد لربطها بالقاهرة ولمتابعة تحركات العدو، واهتم بوضع نظام بريد مُتطور وسريع فكانت الرسائل تُنقل من دمشق إلى القاهرة ذهابا وإيابا في ثلاثة أيام، كما قام بردم مصب نهر النيل عند دمياط بصخور كبيرة لمنع الصليبيين من استغلاله فيما لو فكروا في الغزو. وفي الجانب العسكري دعم الجيش بأربعين ألف مقاتل وبأسطول بحري يتكون من خمسين سفينة. وقد برزت حنكة «بيبرس» السياسية بعقده صلحا وتحالفا مع كل من «ميخائيل الثامن» إمبراطور بيزنطة و «بركة خان» زعيم المغول و «عز الدين كيكاوس» سلطان سلاجقة الروم، ثم أرسل وفدا إلى أوروبا برئاسة «ابن واصل» لعقد مُعاهدات صلح مع ملوكها. وفي عام663هـ بدأ « الظاهر بيبرس» حربه الشاملة ضد الصليبيين لاسترداد الساحل الشامي، فأخذ «قيسارية» بعد حصار استمر ستة أيام ثم «أرسوف» وبعدها بعام استولى على أخطر القلاع الصليبية وهي قلعة «صفد» مركز فرسان الداوودية الأشداء وقتل جميع من وجد منهم فيها. وفي عام 666هـ حرر «يافا» ثم حاصر أنطاكيا برا وبحرا وبعد قتال مرير أسقط إمارتها، فأصابت هذه الإنجازات الصليبيين بالهلع، وفي عام 669هـ قاد حملة حرر بها حصن الأكراد وحصن «عكا»، ثم توجه نحو طرابلس فحاصرها إلَّا أنه اضطر لقبول عرض الصلح لإفشال تحالف صليبي مغولي كان في طور الإعداد. وورث مسؤولية التحرير من بعده الملك «المنصور قلاوون» الذي تابع سياسة «الظاهر بيبرس» في عقد المعاهدات مع الصليبيين فصالح إمبراطور بيزنطة وبعض الدول الأوروبية، وفي عام684هـ بدأ حرب التحرير بالاستيلاء على حصن «المرقب» معقل فرسان «الاسبتارية» وفي عام 688هـ سار إلى طرابلس بجيش ضخم بلغ 40 ألف فارس تُسانده آلات الحصار فحاصرها 43 يوما ثم فتحها وكان فتحا عظيما. وتولى الحكم من بعده ابنه الملك «الأشرف خليل» فواصل مسيرة التحرير حيث حاصر «عكا» عام690 هـ بحملة كبيرة واستمر الحصار شهرا ونصف الشهر؛ حيث كانت «عكا» أحد أهم معاقل الصليبيين في الشام قوة ورجالا فحقق نصرا عظيما، ثم توجه لتحرير جميع المدن الساحلية المتبقية بيد الصليبيين، وتُعدُّ معركة «عكا» هذه آخر المعارك الفاصلة في الحروب الصليبية التي شهدها الشرق الإسلامي. ومن بعدها تولى المُلك أخوه الملك «الناصر محمد بن قلاوون» الذي استمرت على يده سلسلة الانتصارات والفتوحات التي سار عليها أسلافه من «الظاهر بيبرس» إلى «الأشرف خليل»، وتوج مسيرتهم بتحريره لجزيرة «أرواد» التي تعتبر آخر معاقل الصليبيين فوق الأرض العربية الإسلامية وذلك عام 702هـ. وختاما وبعدما سرنا سويا في دروب صراع المشاريع وتعرفنا على بدايات كل مشروع وامتداداته وشاهدنا الجهود العظيمة والتضحيات الكبيرة التي قامت بها شخصيات تاريخية حملت هم أمة الإسلام حتى النصر واستحقت بذلك أن تسطر أسماءها بأحرف من نور على صفحات الشرف من كتاب التاريخ؛ أمثال عبقري الشرق الوزير نظام الملك والسلاطين السلاجقة من بعده وعماد الدين زنكي وابنه البطل الفذ نور الدين الشهيد وصلاح الدين الأيوبي وبعض سلاطين الدولة الأيوبية وكذلك الأبطال الكبار من المماليك أمثال «قطز» و «بيبرس» وغيرهم. والجدير بالتأمل أن كل هؤلاء ليسوا عربا ولكنهم كانوا يحملون أرواحا طاهرة محبة لله ورسوله، تحملوا تضحيات كبيرة في سبيل الله وحققوا للأمة انتصارات ونحسبهم ممن يصدق عليهم قوله تعالى: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. وهم أحق الناس بقول الشاعر: أُولَئِكَ آبَائي، فَجِئْني بمِثْلِهِم إذا جَمَعَتْنا يا جَرِيرُ المَجَامِعُ
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

استثمار في العباقرة

12 يونيو 2014

صانع الفرق

29 مايو 2014

صانع الملوك

15 مايو 2014

للنجاح معنى آخر

24 أبريل 2014

إدارة القلق

10 أبريل 2014