الجمعة 20 شعبان / 26 أبريل 2019
07:26 ص بتوقيت الدوحة

صراع المشاريع ثامناً: وقفة تأمل

صراع المشاريع ثامناً: وقفة تأمل
صراع المشاريع ثامناً: وقفة تأمل
بوفاة الملك الناصر «صلاح الدين الأيوبي» رحمه الله عام589هـ يكون قد مضى على بدء ملحمة صراع المشاريع مرحلة زمنية كبيرة نسبياً تقارب الثلاثة قرون، وذلك إذا قدَّرنا بداية الصراع بظهور أول دولة للمشروع الباطني وهي دولة القرامطة عام278هـ. وقبل الاستمرار في سرد السياق التاريخي لصراع المشاريع رأيت أن نقف وقفة تأمُّلية عند هذه اللحظة الزمنية التي توفي فيها «صلاح الدين» لنرى واقع تلك المشاريع التي تكلمنا عنها وما آل إليه أمرها قبل أن نُكمل المسير فنكون قد لملمنا باختصار ما مضى من تاريخ الصراع مما يساعد القارئ أكثر على فهم الأحداث ولا يضيع بسبب التفاصيل عن الهدف الأساس من سلسلة صراع المشاريع؛ وكما قيل: «طول الخيط يُضيع الإبرة». ونبدأ باستعراض واقع حال المشاريع إلى عام589هـ على النحو التالي: أولا المشروع الباطني: لقد هُزم المشروع الباطني وخرج خاسرا من الصراع الفكري والسياسي بعدما كلَّف الأمة الكثير من الدماء والأموال ونشر الأفكار الضالة، ودائما ما يكون الصراع الداخلي من أقسى أنواع الصراعات وكانت بداية خسارة المشروع الباطني سقوطُ الدولة البويهية على يد السلاجقة بعد دخولهم بغداد وتحريرها منهم عام447هـ، ثم كان سقوط دولة القرامطة عام465هـ على يد القبائل العربية في شرق الجزيرة بقيادة «عبدالله بن علي العيوني» وبدعم من الوزير نظام الملك الذي أمده بكتيبة مقاتلة ساعدت في القضاء على القرامطة. وفي عام 567هـ استطاع «صلاح الدين» القضاء على أهم وأقوى مكونات المشروع الباطني وهي الدولة الفاطمية بعدما حكمت ما يقارب 262 عاماً، ثم أرسل صلاح الدين أخاه «توران شاه» إلى اليمن للقضاء على الدولة الصليحية هناك عام569هـ، وبالتالي لم يبق من المشروع الباطني إلا الحشاشون الذين ضعُفت قوتهم أيضاً وانحصر وجودهم في بعض جبال فارس والشام وتحولوا إلى أقرب ما يكون لعصابات قتلٍ مستأجرة. ثانيا المشروع الصليبي: والذي بدأ مع الحملة الصليبية الأولى عام490هـ بحرب دموية شرسة لا تعرف الرحمة وأُسِّس على إثرها أربعُ ممالك في بلاد الشام، ولكن كان لدخول السلاجقة لبلاد الشام ومِن بعدهم الزنكيين أثرٌ لتوازن الكفة الإسلامية مقابل الصليبية وجعل الصراع يشتد، فاستطاع «عماد الدين زنكي» إسقاط إمارة الرُّها والتي كان إسقاطُها سبباً في بدء الحملة الصليبية الثانية عام539هـ في زمن الملك العادل «نور الدين زنكي» ولكنها فشلت في تحقيق أهدافها. ثم انطلقت الحملة الصليبية الثالثة عام583هـ رداً على فتح بيت المقدس على يد البطل «صلاح الدين»، ولكنهم عجزوا عن هزمه كما عجز «صلاح الدين» هزمهم فاتفق الطرفان على الصلح الذي عرف بصلح الرملة. ولا نستطيع القول: إن وضع الصليبيين ضعفَ، ولكن قوي وضع المسلمين وتفوقوا على الصليبيين نسبياً، وعند هذه اللحظة التاريخية يكون انحصر الصراع بين الصليبيين والمسلمين بعد خروج المشروع الباطني من الميدان. ثالثا المشروع المغولي: والذي سيكون له تاريخ دموي مع الأمة كان في تلك الفترة في مرحلة تكوُّن من خلال صراع بين القبائل حيث ولد «تيموجين» عام554هـ تقريبا، ولقب «جنكيز خان»- ويعني قاهر العالم- عام579هـ وبالتالي كانت تلك الأحداث تدور في منطقة وسط آسيا ولم يتحرك شرهم بعدُ باتجاه الشرق نحو البلاد الإسلامية. رابعا المشروع الإسلامي: والمقصود به المشروع الذي أسسه عبقري الشرق الوزير «نظام الملك» والمبني منهجياً على الكتاب والسنة وسياسياً وعسكرياً على الدولة السلجوقية في المرحلة الأولى للمشروع، ثم حمل الراية بعدُ الزنكيون والأيوبيون، وأثمر هذا المشروع جيلاً تربى على الكتاب والسنة وتميز بقدرات إدارية وعسكرية فذة تجسد في وأنتج أبطالا أمثال «عماد الدين زنكي» و»نور الدين زنكي» و»صلاح الدين الأيوبي» الذين أسسوا دولاً قوية شاسعة المساحة استطاعت إحياء روح الجهاد وهزيمة الصليبيين في حملاتهم السابقة وحررت الكثير من الأراضي التي كانوا يحتلونها كما هزمت الباطنيين وأرجعت مصر قوة رئيسية فعالة في المشروع الإسلامي؛ كما أقامت نموذجاً حضارياً إسلامياً في الحكم والأخلاق وإقامة العدل بين الرعية والرحمة بهم وأشادت الكثير من المعالم الحضارية والعمرانية، ولئن بلغ هذا المشروع ذروته الحضارية في عهد «نور الدين زنكي» ثم «صلاح الدين الأيوبي» فما زالت آثاره الإيجابية ممتدة إلى اليوم تبث روح الأمل في الأجيال المتلاحقة من أجل بناء مستقبل مشرق في الأمة الإسلامية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

استثمار في العباقرة

12 يونيو 2014

صانع الفرق

29 مايو 2014

صانع الملوك

15 مايو 2014

للنجاح معنى آخر

24 أبريل 2014

إدارة القلق

10 أبريل 2014