الخميس 17 صفر / 17 أكتوبر 2019
01:21 ص بتوقيت الدوحة

بين «داعش» ودايتون!!

د. سعيد حارب

الإثنين، 03 فبراير 2014
بين «داعش» ودايتون!!
بين «داعش» ودايتون!!
هل تكون «داعش» أو ما يسمى بالدولة الإسلامية في العراق والشام، سبباً في حل المعضلة السورية؟ للإجابة على ذلك تذكروا اتفاق «دايتون» الذي أنهى الحرب في البوسنة والهرسك، فقد بدأ القتل في البوسنة في أبريل عام 1992 واستمر ثلاث سنوات، ولم يحرك ذلك في الغرب وروسيا شيئاً سوى تقديم بعض المساعدات الإنسانية وعد القتلى، وقد طالت عمليات التطهير العرقي والاغتصاب كافة مدن البوسنة وقراها، فتم اغتصاب أكثر من خمسين ألف امرأة مسلمة، كثير منهم تعرض لاغتصاب جماعي، وقتل أكثر من مئتين ألف مسلم، ومع ذلك بقي المجتمع الدولي يتفرج على ما يجري في البوسنة، ولكن في بعد مضي أكثر من ثلاث سنوات دخلت معادلة جديدة في الحرب على أرض البوسنة، إذ تدفق عليها المقاتلون الأجانب من كافة الجهات فرحل «المجاهدون» من أفغانستان والصومال والشيشان ومن أقطار عربية وإسلامية كثيرة، وتزايدت أعدادهم مما هدد بتحول البوسنة إلى «بؤرة» للقلاقل في خاصرة أوروبا، وأن ما حدث في أفغانستان يمكن أن يتكرر في البوسنة، حيث انتقل المقاتلون من هناك إلى دولهم ودول أخرى وتحولوا من «مجاهدين» إلى «إرهابيين»، فما الذي يمنع من أن تتكرر التجربة في البوسنة مرة أخرى، وفي هذه المرة لن تكون ساحة القتال هي البلاد العربية والإسلامية بل أوروبا، خاصة أنها تمثل لدى كثير من هؤلاء المقاتلين هدفاً مباشراً، وقد شكل هذا التحول هاجساً للغرب عامة ولمجموعة حلف الأطلسي خاصة، فاستدعت قواتها سريعاً لحسم الموقف على الأرض، وبعد إنذارات عدة للصرب لوقف القتال والجلوس إلى طاولة المفاوضات، وعندما رفض الصرب ذلك قامت قوات حلف الأطلسي بدك مواقعهم، مما أجبرهم للجلوس في المدينة الأميركية «دايتون» مع خصومهم من البوشناق (المسلمين) والكروات بإشراف المبعوث الأميركي «هولبروك». فرض الغرب الاتفاقية التي على أساسها تم حل الأزمة في البوسنة، وبعد دايتون أصبح المقاتلون الأجانب غير مرغوب بهم، وأُعطوا مهلة ثلاثة أشهر لمغادرة البلاد أو دخول السجن، ورحل «المجاهدون» ليبحثوا عن ساحة جديدة، واليوم يتكرر المشهد في سوريا، فقد اتفق المقاتلون «الأجانب» عليها لمساندة كل طرف، بل اعتبر بعضهم أنه طرف آخر دون الآخرين، فأنهكت الحرب جميع الأطراف ودمرت البلاد، وأبعدت شبح المواجهة مع العدو الرئيسي «إسرائيل» إلى عقود طويلة قادمة، لكنها قربت المقاتلين «غير المنظبطين» من حدود إسرائيل، ولذا فإن نجاحهم ولو كان جزئياً سيخل بمعادلة التوازن في المنطقة والتي مالت منذ اتفاقيات «كامب ديفيد» و«وادي عربة» لصالح إسرائيل، كما أن الأزمة في سوريا لن تتوقف عند حدودها، فلبنان «الهش» أصبح ساحة لتصفية الصراعات بين المقاتلين في سوريا، خاصة بعد دخول حزب الله طرفاً في القتال ونقل جبهة النصرة عملياتها إلى الضاحية الجنوبية لبيروت «مقر حزب الله»، ومع الوضع السياسي غير المستقر في لبنان، فربما تحول إلى ساحة جديدة لمعركة طويلة تذكر العالم بالحرب اللبنانية التي استمرت خمسة عشر عاما! وإلى شرق سوريا فإن الوضع العراقي «الهش» كذلك يوحي بأن العراق لن يكون بمأمن عن تمدد شرارة الصراع، خاصة أن الأرضية الطائفية مهيأة لمثل ذلك، وما أحداث الأنبار والمناطق الأخرى في العراق إلا دليل على أن النار التي يمكن أن تنطفئ في سوريا يمكن أن تشتعل في العراق، إضافة إلى وضع الأكراد في سوريا الذين ينتهزون فرصة الصراع ليخرجوا فأكثر المكاسب، كما خرج إخوانهم في العراق. إن هذا المشهد المضطرب يجعل العالم أمام حالة ترقب فزع وخطر، ولذا فقد حان الوقت لـ «دايتون» جديدة لتقديم نصف حل لأزمة سوريا، بحيث يشعر الجميع أنهم منتصرون، وأن خصومهم قد هزموا، ولذا تداعت القوى الكبرى لمؤتمر جنيف الأول والثاني، ويبدو أن هذه القوى مصرة على إنهاء الأزمة السورية، ولذا فهي تضغط على جميع الأطراف لتقديم تنازلات فقد تبين أن حسم الأمر لصالح أحد الطرفين (الحكومة والمعارضة) أصبح شبه مستحيل، خاصة بعد التحول إلى القتال الداخلي، أي بين المجموعات المقاتلة مثلما حدث بين «داعش» والجبهة الإسلامية والجيش الحر، وأن ذلك قد يتطور إلى تمدد المقاتلين «غير المنظبطين» الذين جاء كثير منهم لسوريا باعتبارها «أرض جهاد»، ورفضوا أن يكونوا طرفاً في أي عملية لحل الأزمة، ولذا فإن السيناريو المتوقع أن يخرج من جنيف 2 هو تشكيل مجموعة مختلطة من المعارضين والحكومة وبعض المستقلين لقيادة المرحلة المقبلة، وربما تم تأجيل وضع الرئيس السوري بشار الأسد إلى ما بعد المرحلة الانتقالية أو إجراء انتخابات رئاسية «يعتذر» هو عن الترشح لها، خاصة أن موعدها يحل هذا العام، وهذا سيمثل ذلك مخرجا «مشرفا» ويقرر بعدها البقاء في سوريا أو اختيار بلد آخر للإقامة فيه له مثلما حدث للرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح، وسيكون بعدها أمام «داعش» وأخواتها أشهر وأسابيع للخروج من سوريا، كما خرج إخوانها من قبل من البوسنة، وسيعتبر مقاتلوها «إرهابيون» تجب ملاحقتهم، ولذا فإن المتتبع لسير ما يجري في جنيف يلاحظ أن أهم قضيتين معروضتين أمام المتحاورين هناك هما المرحلة الانتقالية ووضع الإرهابيين!!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.