الأحد 15 شعبان / 21 أبريل 2019
11:29 ص بتوقيت الدوحة

مطر الكلمات

اعتذار

اعتذار
اعتذار
أكثر ما يُنمي ثقافة الاعتذار لدى أي إنسان هو ارتفاع حس الشعور بالخطأ، والتربية منذ سن مبكرة على ثقافة الاعتذار، مع توضيح نوع الخطأ الصادر من الطفل ليتمكّن فيما بعد من اكتشاف أخطائه بنفسه، لأن أكثر ما يُقلّص ثقافة الاعتذار لدى أي شخص، هو عدم الشعور بالخطأ، وطالما لا يشعر به فهو لن يعتذر. غالبًا الشخص الذي يفتقد حس الشعور بالخطأ، نجده يميل إلى التبرير لنفسه وإلقاء المسؤولية على الآخرين، والتجرد تماماً حتى من المشاركة ولو بجزء بسيط من هذه المسؤولية. في تصوري أن بداية نشأة هذا الخلل هو سن الطفولة المبكرة، إذ إن المبالغة في التأنيب والعقوبة تجعل هذا الطفل ينشأ مُنكراً أخطاءه بشعور أو بلا شعور، أو تجاهل خطأ الطفل وعدم تعويده على الاعتذار، كلها موازين إن اختلت لامست فوراً هذا الجانب الإنساني المهم وجوده في حياتنا. ينظر -بعضهم- إلى أن الاعتذار هو ضعف في الشخصية، لذا لا يريد أن يُوصم بهذه الصفة، أو على الأقل تؤرقه داخل نفسه، وهذه الفكرة نتيجة خلل النشأة والتربية، وعدم وضوح المفاهيم ووضعها في سياقها الطبيعي، مع أن الاعتذار في شكله وواقعه هو شجاعة، هو صفة نبيلة تدفع الإنسان من داخل العمق الإنساني إلى الشعور بالآخرين، لأنه لا يحدث إلا بعد مراجعة للنفس، والإنسان القادر على المراجعة والتمحيص هو -بلا شك- وصل إلى مراتب عليا من التوازن الداخلي الذي ينعكس على تعامله مع الآخرين. يتخيّل -بعضهم- أن تراجعه عن الخطأ قد يكون عملياً دون أن ينطق بلفظ الاعتذار، كما حدث من قِبل مشايخ ودعاة كانوا ينادون إلى «الجهاد» في سنين سابقة، وتغيرت أفكارهم في الوقت الحالي وتراجعوا عن هذه الفكرة، التراجع وحده والتغيير لا يكفيان، بل يجب أن يكون الإنسان واضحاً وصريحاً في هكذا قضايا مصيرية، لأن من تأثر بأفكاره السابقة لا يعلم أنه تغير، لذا نجد أن مثل هؤلاء الدعاة ما زال يُكابر عن لفظ الاعتذار وتحديد موقفه، فنرى المجتمع ما زال يهاجمه ويحاسبه على أفكاره السابقة، مع أنه يستطيع إيقاف كل هذا بتوضيح الموقف الحالي، والتغيير الفكري الذي مرّ به، والمعطيات السياسية والفكرية المحيطة والتي تغيرت مع الوقت والزمن، بهذا لن يكون عليه أي منفذ، ولن يُقلل الاعتذار من شأنه، بل سيرفع منه وسيحترمه من يخالفه قبل من يؤيده.. هذا بالضبط ما يحدث في كثير من مناحي حياتنا، نشعر بالخطأ ونتغير دون أن نعتذر، فيتراكم الجُرح دون أن نشعر، مع أن لفظ الاعتذار هو عبارة عن كلمة خفيفة على اللسان، ثقيلة في ميزان المحبة والتعايش، لكن المكابرة وعدم صراحة الإنسان مع نفسه، واعتقاده أن تراجعه العملي كفيل بتغطية أخطاء الزمن، فهذا غير صحيح وهو ما ينسف موازين نحتاجها حاضرة في حياتنا كالعفو والتسامح وتقبل الآخر بكل عيوبه! ? www.salmogren.net
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.