الثلاثاء 12 رجب / 19 مارس 2019
07:57 م بتوقيت الدوحة

صراع المشاريع سابعاً: الملك النبيل

صراع المشاريع سابعاً: الملك النبيل
صراع المشاريع سابعاً: الملك النبيل
يستمرصراع المشاريع ليتجاوز القرون من الزمن، والأمة من حرب إلى حرب، ومن صراع إلى صراع، تسطر ملحمة حضارية حافلة بالانتصارات والهزائم والأفراح والآلام توجتها البطولات التاريخية التي قادتها إلى نصر حضاري قبل أن يكون عسكريا في النهاية. وفي حلقة جديدة من حلقات صراع المشاريع تولى الراية بطلنا الذي سجل التاريخ اسمه بأحرف من نور على صفحات الشرف. فبعد وفاة الملك الشهيد العادل نور الدين زنكي، تولى المسؤولية التاريخية والشرعية الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي الذي توجه من مصر إلى الشام المنفرط عقدها بعد وفاة نور الدين، فأخذ صلاح الدين يعيد ضم مدنها وحصونها ابتداء من دمشق، فضم أغلب الشام ثم توجه لضرب الحشاشين الذين حاولوا قتله أكثر من مرة، فدمر حصونهم وضيق عليهم، ثم أبرم اتفاقا معهم على ألا يناصروا الصليبيين في حروبهم ضده، فاستطاع بذلك إضعافهم وأوجز حاجزا بينهم وبين الصليبيين. ويحسب لصلاح الدين قبل توليه الملك إنهاء الخلافة الفاطمية في مصر وإرجاعها لحضن السنة، حيث استطاع القضاء على كل مؤامرات وكيد أقوى قوة في المشرق الباطني للقضاء عليه وقتله، وفي نفس إطار القضاء على الدولة الصليحية الباطنية حيث أرسل أخاه توران شاه إلى اليمن للقضاء على الدولة الصليحية الباطنية عام 569، وبالقضاء على الدولة الفاطمية والصليحية وإنهاك الحشاشين استطاع صلاح الدين إضعاف المشروع الباطني إلى حد كبير وحرم الصليبيين من حليف مهم. وفي إطار الصراع مع المشروع الصليبي عقد صلاح الدين صلحا مع مملكة أنطاكيا كي يحيدها ويفتت الصف الصليبي، ثم توجه همه لتوحيد الشام وشمال العراق مع مصر تحت سلطة دولة واحدة، حرص فيها على إقامة العدل بين أبنائها وإسقاط الضرائب والمكوس، كما حرص على إنشاء الكثير من المدارس والمستشفيات والجسور والمعالم العمرانية، وكانت سياسته مع الرعية تتسم بالرحمة، وبهذا استطاع بناء جبهة موحدة وقوية داخل دولته. وفي عام 583 زادت فيه الصراعات بين الصليبيين بشكل كبير لدرجة أن أمير طرابلس "ريمنود الثالث" راسل صلاح الدين واتفق معه على تسليمه طبريا وتعهد بعدم محاربته. فأتاح ذلك لصلاح الدين التجهز لمعركة حطين الحاسمة، والتي كانت من أعظم المعارك الإسلامية وأصعبها، فحقق الجيش الإسلامي فيها نصرا تاريخيا كبيرا. وقبل التوجه لفتح القدس رأى صلاح الدين ضرورة تحرير الساحل الشامي أولا لذلك توجه إلى عكا ففتحها، ثم فتح نابلس وحيفا والناصرة، ثم بيروت وعسقلان وغزة، حتى أتم فتح أغلب الساحل الشامي باستثناء طرابلس وصور. وفي رجب من عام 583 توجه صلاح الدين إلى القدس فاتحا لكنها أبدت مقاومة شرسة، فحاصرها حتى تم الصلح على أن تسلم القدس للمسلمين نظير فدية يدفعها الصليبيون ليحفظوا حياتهم. أثار سقوط مدينة القدس حالة من الهلع في أوروبا وارتجت لهذا الخبر رجةً عظيمة توجت بانطلاق حملة صليبية جديدة يقودها ملك ألمانيا "فريدريش" وملك فرنسا "فليب أغسطس" وملك إنجلترا "رتشارد قلب الأسد". وفي عام 587 اشتبكت هذه الجيوش مع جيوش صلاح الدين، وكانت المعارك بينهم سجالا لم يستطع أحد الطرفين أن يقضي على الآخر، فآل الأمر بعقد صلح عرف بصلح الرملة الذي كان نتيجة مراحل شاقة من المحادثات فكان من أهم نتائجها بقاء القدس بيد المسلمين وأن تنحصر مملكة القدس في الشريط الساحلي بين يافا وصور. لقد ضرب صلاح الدين نموذجا حضاريا في مكارم الأخلاق والتسامح والرحمة مع الأسرى والمستضعفين والوفاء بالعهود، كما هي أخلاق الإسلام فكان ذلك مثار إعجاب ودهشة للأوروبيين عبر التاريخ إلى يومنا الحاضر. ففي بعض الحالات كمثال تضرع بعض النصارى إلى صلاح الدين ليسمح لهم بالبقاء داخل بيت المقدس بعد أدائهم الفدية المقررة عليهم وتعهدوا له ألا يزعجوا أحدا فوافق صلاح الدين، وبالتالي أصبح لهم وعليهم ما للمسلمين وعليهم من حقوق وواجبات، وذلك عكس ما كان فعله الصليبيون عند دخولهم لبيت المقدس حيث سفكوا الدماء حتى غاصت فيها أرجل خيولهم. يقول أحد مؤرخي الفرنجة المعاصرين لتلك الحقبة "ستيفن رنسيمان": "الواقع أن المسلمين الظافرين اشتهروا بالاستقامة والإنسانية، فبينما كان الفرنج، ومنذ ثمان وثمانين سنة، يخوضون في دماء ضحاياهم (المسلمين)، لم تتعرض إلى الآن دار من دور المسيحيين للنهب، ولم يحل بأحد من الأشخاص مكروه، إذ صار رجال الشرطة، بناء على أوامر صلاح الدين، يطوفون بالشوارع والأبواب يمنعون كل اعتداء يقع على المسيحيين". ويذكر المؤرخون أنه أقبل نساء الفرنج اللاتي افتدين أنفسهن، وقد امتلأت عيونهن بالدموع، فسألن صلاح الدين أين يكون مصيرهن بعد أن لقي أزواجهن أو آباؤهن مصرعهم أو وقعوا في الأسر، فأجابهن بأن وعد بإطلاق سراح كل من في الأسر من أزواجهن، وبذل للأرامل منهن واليتامى من خزانته العطايا كل بحسب حالته. والواقع أن رحمته وعطفه كانا على نقيض أفعال الغزاة المسيحيين في الحملة الصليبية الأولى. وأصدق وصف وتعبير عن أخلاق الإسلام الحضارية التي تمثلها صلاح الدين الحضارية قول الشاعر: ملكنا فكان العفو منا سجيةً فلما ملكتم سال بالدم أبطح وحللتم قتل الأسارى وطالما غدونا على الأسرى نعف ونصفح فحسبكم هذا التفاوت بيننا وكل إناء بالذي فيه ينضح
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

استثمار في العباقرة

12 يونيو 2014

صانع الفرق

29 مايو 2014

صانع الملوك

15 مايو 2014

للنجاح معنى آخر

24 أبريل 2014

إدارة القلق

10 أبريل 2014