الثلاثاء 15 صفر / 15 أكتوبر 2019
02:13 م بتوقيت الدوحة

وجاء دور الإباضية

وجاء دور الإباضية
وجاء دور الإباضية
يبدو أن محرقة الصراعات الطائفية والمذهبية لن تدع أحدا في بلاد العرب والمسلمين، فهذه المحرقة التي تضم تشكيلة من الصراعات التي لم تشهد لها الأمة مثيلا إلا في عصور الانحطاط والتخلف عادت مرة أخرى تقذف بلهبها في كل اتجاه، فقد تعددت الصراعات بين الشيعة والسنة والعرب والأكراد والسلفيين والصوفيين والعرب والأمازيغ والشيعة والشيعة والسنة والسنة والعرب والزنوج والحوثيين والسلفيين، والأكراد والتركمان، هذا عدا عن الصراع بين المسلمين والمسيحيين، وحدهم أتباع المذهب الإباضي كانوا خارج هذه المحرقة التي أبت إلا أن تضم "جميع أطياف" العرب فجرتهم إليها، ألا يتحدث العرب عن وحدتهم في السراء والضراء! فلماذا يكونون هم استثناءً من ذلك؟ فقد تناقلت الأنباء أن صراعا بدأ بين المالكية والإباضية في مدينة غرداية الجزائرية حيث "اندلعت معارك دامية بين سكان حيين ينتميان إلى مذهبين مختلفين في مدينة غرداية "650 كلم جنوبي الجزائر" بسبب صراع قديم يتعلق بمساحة أرض تضم مقبرة، كانت السلطات تعتزم إقامة ثانوية تعليمية عليها، وذكر شهود عيان أن 37 شخصاً بينهم 16 عنصراً من الشرطة أصيبوا بجروح في الاشتباكات التي تفجرت بين سكان حيين متجاورين، هما حي ثنية المخزن، وهم عرب ينتمون إلى المذهب المالكي، وسكان قصر مليكة وهم أمازيغ ينتمون إلى المذهب الإباضي، وتفجر الصراع بمجرد سعي سكان الحي المالكي نحو هدم حائط للسيطرة على قطعة أرض بسبب أنها إرث لهم، تقع داخل مقبرة تضم موتى لهم، وتدخل ضمن أوقاف الحي الإباضي، وجاء تدخل قوات الأمن الجزائرية بشكل سريع، واستعملت القنابل المسيلة للدموع للفصل بين الطرفين المتنازعين، ووقف المواجهات التي أسفرت عن تفجير سيارة بعد إشعال النار بها وتحطيم سيارات أخرى، وتخريب محلات تجارية وممتلكات خاصة. وتواترت الأنباء بعد ذلك عن سقوط جرحى بين الطرفين، ومن جانب الشرطة كذلك، فما الذي يجعل خلافا على قطعة أرض أو حائط يتحول إلى صراع يستدعى له التاريخ بكل ما يحمله من تعقيدات ليدير شأن الحاضر، فما أن شاع الخبر في عالم التواصل الاجتماعي حتى انبرى كل طرف يكشف "عيوب" الطرف الآخر في عقيدته ودينه وسلوكه حتى وصل الأمر بأحدهم أن يصف الإباضية في مقال له في أحد المواقع بقوله: "الإباضية أو الأباضية طائفة ضالة وفرقة من فرق الخوارج كلاب النار"! وأعتذر عن هذا النقل الذي أدينه وأستهجنه لأنه مخالف لقول الله تعالى: "وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ"، لكن أردت أن أبين إلى أي درك وصلنا في خلافاتنا الطائفية أو المذهبية، وكيف يستغل البعض مثل هذه الخلافات فينبش في صفحات الماضي ليشعل الحاضر، فبسبب خلاف حول أرض أو حائط يتم إدخال الناس في النار ويوصفون بذلك الوصف! ولا يعنيني الخلاف بين المالكية والإباضية أو غيرهم من المذاهب، بل ما يهمني هو "هشاشة" البنية الفكرية للعقل العربي والمسلم، ذلك العقل الذي يستجيب لكل نداء حول الفرقة أو الاختلاف وتحويل ذلك إلى معترك صراع جديد، وكأن العرب والمسلمين تنقصهم أسباب الصراعات والاقتتال ليبحثوا عن أسباب جديدة، فالاختلاف بين الناس سنة من سنن الله الذي قال: "وَلَوْ شَاءَ ربُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ" ولذا فإن اتخاذ الاختلاف سببا لإباحة دماء الناس وقتلهم وسلب أموالهم من أشنع الأفعال التي تخالف ما جاءت به الشريعة السمحاء، بل هو صورة من صور العصبيات التي نهى الإسلام عنها، ولذا فإن الاختلاف بين الناس سيبقى مستمرا، ولا يمكن صب الناس في قوالب واحدة، لقد شهد التاريخ الإسلامي صورا من هذا الصراع المذهبي أو الطائفي، حيث وصل إلى خلافات فرعية فقد ذكرت الروايات أن الحنابلة في بغداد كانوا يقذفون الشافعية بالحصى عند القنوت "الدعاء" في صلاة الفجر لأن الحنابلة لا يرون ذلك!! وعند الإعداد لهذا المقال كنت أبحث عن مقولة قديمة تقول: "لا يجوز لأتباع المذهب الحنفي أن يتزوجوا من امرأة تتبع المذهب الشافعي"! وكنت أظن ذلك من "طرائف" المذاهب قديما، وإذ بي أفاجأ بأحدهم يسأل في موقع ديني على شبكة الإنترنت عن ذلك، أي أننا بعد ما يزيد على ألف وأربع مئة سنة فينا من يسأل هذا السؤال!! وأذكر حادثة رواها أحد المتحدثين من اليمن أن يمنيا مسلما كان يجاور يهوديا، وقد اشتهر اليهود بإطالة "السوالف" وهي شعر الصدغ، وذات يوم وجده قد حلق "سوالفه" فسأله عن ذلك، فقال: الحمد لله لقد أسلمت، فسأله: على أي مذهب، فقال: المذهب الشافعي، ويبدو أن للسائل مذهبا آخر فلم يعجبه ذلك فقال له: لو بقيت يهوديا كان أحسن لك! إن فتنة الصراع بين المالكية والإباضية قد لا تتوقف عند "غرداية" في الجزائر، بل قد تمتد نيرانها إلى أي موقع، ونحن في الخليج العربي لدينا في عمان التي يعيش فيها أكبر تجمع لأتباع المذهب الإباضي تجربة رائدة في تجاوز الصراع والاختلاف المذهبي، فالأخوة العمانيون بمختلف مذاهبهم يعيشون حالة من الانسجام والتعاون بعيدا عن التعصب المذهبي والصراع الطائفي، لذا فإننا نخشى أن يصلهم شرر هذا الصراع الذي يدور بعيدا عنهم، ونقول لهم: يا أهل بكل حب يا إخوتنا في عمان .. احذروا الفتنة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.