الجمعة 20 محرم / 20 سبتمبر 2019
04:50 م بتوقيت الدوحة

محاكم التفتيش «الإسلامية»!!

محاكم التفتيش «الإسلامية»!!
محاكم التفتيش «الإسلامية»!!
تتوقف ثلاث شاحنات خالية، يتقدم أحدهم حاملا رشاشا بيده، يلتفت إلى الشاشة لتبدو هيئته المتجهمة التي يكاد الشرر يتطاير منها، وتلف وجهه لحية كثة كأنه أراد من هذه الالتفاتة أن يبرز هويته، ثم يتجه إلى سائقي الشاحنات ويطلب منهم أن يترجلوا من شاحناتهم، ويوقفهم في صف واحد، ويسأل كل واحد منهم عن عدد ركعات الصلوات، يتلعثم المسؤولون، ويجيب أحدهم أن صلاة الفجر خمس ركعات! يعيد عليهم الأسئلة لكنهم لا يُحسنون الإجابة، فيضحك مستهزئا بهم وبـ «طائفتهم»، وينادي زملاءه لـ «يتفرجوا» على هذا المشهد، وبعد أن يستمتعوا بذلك، يطلب من السائقين أن يتجهوا إلى ساحة قريبة من الشارع، وأن يولوا وجوهم نحو الجهة الأخرى، ثم يبدأ وزملاؤه بإطلاق الرصاص متبعين ذلك بالشتائم واللعنات، وينتهي المشهد بآيات كريمة من الذكر الحكيم، ثم تظهر راية سوداء ترفرف مكتوب عليها «لا إله إلا الله محمد رسول الله». لم يكن هذا المشهد إحدى لقطات أفلام هوليوود، ولا هو مشهد أنتجه «اليهود والصليبيون» ليشوهوا الإسلام! بل هو إنتاج عربي تناقلته المواقع الإلكترونية عن عملية قتل مجموعة من السوريين على يد من يزعمون أنهم من «المجاهدين» الذين امتد «جهادهم» لقتل من يخالفهم سواء كان من المسلمين بطوائفهم المختلفة، أم من غير المسلمين، في صورة لا تحتاج إلى بيان لتشويه صورة الإسلام، ولو بذل أعداؤه جهودا كبيرة لما استطاعوا أن يفعلوا ما فعله هذا المشهد أو غيره مما تتناقله وسائل التواصل الاجتماعي عما يفعله هؤلاء القتلة الذين يحملون صفة «المجاهدين»!! فأي جهاد هذا الذي يقتل الناس العُزّل لمجرد اختلاف في الدين أو المذهب أو الطائفة؟ وأي دين هذا الذي يبيح قتل الناس لأن أحدهم لم يعرف عدد ركعات الصلاة؟ وهل يختلف هؤلاء عما فعلت محاكم التفتيش بالمسلمين في الأندلس عندما كانوا يكشفون عن عورات الرجال فمن وجدوه مختونا قتلوه لأنه مسلم؟ فهل أصبحنا أمام محاكم تفتيش باسم الإسلام؟ إن هناك كثيرا من يقتل باسم الانتقام أو الثأر أو للسرقة أو لغير ذلك من الأسباب، ولن يتوقف القتل في هذه الحياة لأسباب كثيرة، أما قتل الأبرياء باسم الإسلام فهو جريمة مركبة، جريمة قتل وجريمة افتراء على الإسلام، ورب قائل: كيف عرفت أنهم أبرياء؟ والجواب أن المشهد يبيّن أنهم لم يكونوا مسلحين، بل كانوا من المدنيين، وحتى لو كانوا مرتكبي جريمة، فلا بد من تقديمهم لمحاكمة عادلة لا أن يُقتلوا بدم بارد! إننا نتحدث عن الرسول صلى الله عليه وسلم الذي جاء رحمة للعالمين، فهل يعي هؤلاء القتلة معنى الرحمة؟ إن الإسلام لم يبح قتل أحد سوى المقاتل في الميدان لدفع شره ومنعه من القتل، لكن ما عدا ذلك فإن دماء الناس مسلمين وغير مسلمين مصونة، بل إن الهارب من المعركة أو المستسلم لا يجوز اللحاق به وقتله، وقد نهى الإسلام عن قتل غير المقاتلين فقال تعالى: «لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ». وحذر النبي صلى الله عليه وسلم من القتل فقال «لا يزال الرجل في فسحة من دينه حتى يسفك دما حراما»، بل إن قتل غير المقاتلين أثناء الحرب منهي عنه شرعا، فقد وُجدت امرأة مقتولة في بعض المغازي فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان، ومثلهم أيضا رجال الدين من الرهبان وغيرهم، فعن ابن عباس رضى الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا بعث جيوشه قال «لا تقتلوا أصحاب الصوامع»، وأوصى أبو بكر الصديق رضى الله عنه أحد قادة جيوش المسلمين فقال: «لا تقتل صبياً ولا امرأةً ولا هرِماً»، وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: «اتقوا الله في الفلاحين الذين لا ينصبون لكم في الحرب»، وقال العلماء: إن لفظ الفلاحين هنا يشير إلى غير المقاتلين وهم الذين يوصفون بالمدنيين، فإذا كانت نصوص القرآن والسنة ووصايا الخلفاء الراشدين تدعو إلى عدم قتل المدنيين، فمن أي مصدر شرعي يستقي هؤلاء القتلة أحكامهم وتصرفاتهم؟ لقد نشأ هذا الفكر في غيبة للعلم الشرعي الصحيح، فحين تراجع العلماء والمؤسسات الدينية عن القيام بدورها تقدم أصحاب التفسيرات المتشددة للنصوص، فالقرآن الكريم كما يقول علي بن أبي طالب رضي الله عنه «حمّال أوجه»، ووجد هؤلاء في أوضاع المسلمين المتردية سببا لحمل الآخرين على تفسيراتهم وتصوراتهم، وتحت راية الجهاد سمحوا لأنفسهم بتطبيق ما فهموه، حتى ولو كان ذلك مخالفا للنصوص وما عليه جمهور المسلمين، فأساؤوا للإسلام وللجهاد الذي يحملون رايته. إن الخلل في الفهم مدخل للخلل في السلوك، وهذا ما يحدث الآن في عالم الإسلام، حيث يتصدر قليل الفهم وقليل الوعي أحكام الشرع ليطلق الفتاوى التي تبيح دماء الناس. يقول الشيخ أحمد ديدات رحمه الله: «أشرس أعداء الإسلام هو مسلم جاهل، يتعصب لجهله ويشوه بأفعاله صورة الإسلام الحقيقي، ويجعل العالم يظن أن هذا هو الإسلام الحقيقي». ويقول الشيخ محمد الغزالي رحمه الله: «إن الإسلام يُظلم باسم الإسلام، يظلمه علماء يخدمون السلطة، وشباب عديمو الفقه، وغوغاء حيارى».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا