الإثنين 18 رجب / 25 مارس 2019
04:55 م بتوقيت الدوحة

صراع المشاريع خامساً: بداية الصدام الإسلامي الصليبي

صراع المشاريع خامساً: بداية الصدام الإسلامي الصليبي
صراع المشاريع خامساً: بداية الصدام الإسلامي الصليبي
كان للمشروع العظيم الذي أسّسه الوزير الفذُّ نظامُ الملك نتائجُ كبيرة وجبارة؛ أهمُّها الحرص في المناصب الهامة والقيادية على استعمال الأكفاء وأصحاب الديانة, ومن يحمل همَّ قضايا الأمة. وكثمرة لهذا المشروع فقد سطع نجمُ العديد من الرجال الأبطال, وكان من أهمهم «آق سنقر بن عبدالله» الملقّب بقسيم الدولة, لمكانته العظيمة عند السلطان السلجوقي ملكشاه, والذي أثبت حكمة وشجاعة في عدة ولايات تولاها إلى أن قتل وهو يدافع عن الدولة السلجوقية، وترك خلفه طفلا صغيرا في العاشرة من العمر أصبح فيما بعد علامة فارقة في صراع المشاريع, خصوصا المشروع الصليبي, وما كان هذا الطفل سوى البطل الكبير عماد الدين زنكي, الذي بعد وفاة أبيه تولى رعايتَه الأمير «كربوقا» أمير الموصل، ورباه على الفروسية والقيادة وفنون القتال, إضافة للتقوى والدين. لقد أثبت التاريخ أن من بين الأيتام والعائلات الفقيرة قد يوجد أطفال يملكون قدرات وإمكانات فائقة، وبالإحسان إليهم ورعايتهم تجني الأمة رضا الله سبحانه أولا، ثم تُخرج شخصيات منهم عظيمة تقوم بدور محوري في رفعتها وعزتها؛ قال عليه السلام: «هل تنصرون وترزقون إلا بضعفائكم». وهذا يصدق على حالة عماد الدين زنكي الذي وصفه المؤرخ الكبير ابن الأثير قائلا: «كان عظيم الهيبة في عسكره ورعيته, عظيم السياسة, لا يقدر القوي تحت حكمه على الضعيف, وكانت البلاد قبل أن يملكها خرابا من الظلم فعمرها وامتلأت أهلا وسكانا». وفعلا, فما إن بلغ عماد الدين مبلغ الرجال حتى ظهر منه من الشجاعة والدهاء, ما ميزه بين معاصريه. ونظرا لإمكاناته القيادية وشجاعته ولاه السلطان محمود أخطرَ ولاية مقابلة للصليبيين ذلك الوقت وهي ولاية الموصل عام 521هـ. رأى عماد الدين أن الصليبيين يحتلون معظم سواحل الشام، وأقاموا أربع إمارات فيها. وأما واقع المسلمين فاقتتالٌ وتفرقٌ، وأغلبهم يُهادن الصليبيين خوفا من ضياع ملكه، لذلك كانت خطته تهدف إلى بناء دولة قوية واسعة الأرجاء, قادرة على القيام بالدور المطلوب في صراع المشاريع، فبدأ توسُّعاته بضم حلب ثم حماه، واستمر هكذا حتى ضم مُعظم بلاد الشام، باستثناء ما يقع تحت حكم الصليبيين، ودمشق التي عجز عن ضمها رغم محاولاته المتكررة. وكانت أعظم إنجازات عماد الدين زنكي إسقاط أول إمارة أسسها الصليبيون في بلاد الشام, وهي إمارة الرُّها الحصينة, حيث استخدم كلَّ ما يملك من حيلة ودهاء وقوة وإمكانات, إلى أن أتم الله عليه بالفتح عام 536هـ، وكان لفتح الرُّها وقعُ الزلزال في العالم, حيث سرت في المسلمين نشوةٌ وروحٌ جديدة للجهاد والعزة كانوا فقدوها منذ زمن. وقد تغنى الكثير من شعراء عصره نشوة بهذا النصر, فقال القاضي كما الدين الشهرزوري: إن الصَّفائح يوم صافحت الرُّها عطفَت عليها كلّ أشوس ناكبِ فتحُ الفُتوح مُبشِّرا بِتمامه كالفجر في صدر النهار الأيّبِ أما الصليبيون فنزلت عليهم كأعظم المصائب وأدهاها, فارتجت أوروبا كلها من دويّ هذا الحدث، وتداعت إلى القيام بالحملة الصليبية الثالثة لاسترداد الرُّها عام 543, إلا أن حملتهم باءت بالفشل والحمد لله. لقد كان هناك أبطالٌ كثيرون جاهدوا الصليبيين قبل عماد الدين زنكي، وكان لهم دور كبير في النكاية بخصومهم وإبقاء جذوة الجهاد مشتعلة والحلم بالتحرير حيا، أمثال البطل مودود، كما كان لسلاجقة الروم فضل عظيم لا يُنكر في تعطيل وإضعاف الحملات الصليبية، لكن عماد الدين تميز بكونه كشخص وكتربية وأهداف امتدادا طبيعيا للمشروع الإسلامي, الذي أسسه الوزير العظيم نظام الملك. لقد كان الظرف في الشام في تلك الفترة الزمنية من أعقد وأصعب الظروف التاريخية، ورغم كل تلك الصعوبات والمتاعب، استطاع عماد الدين وبنجاح باهر أن يحقق إنجازات مهمة في مسيرة المشروع الإسلامي, وشكّل تهديدا حقيقيا للمشروع الصليبي وللمشروع الباطني. وكان من أعظم الأهداف التي حققها عماد الدين في مسيرته النهضوية ما يلي: - أنه وانطلاقا من الموصل استطاع بناء دولة قوية الأركان تشمل الشام والجزيرة الفراتية, تميزت بالقوة العسكرية وإقامة العدل بين الناس, وكان عماد الدين حريصا على أن يأخذ الدين دوره كاملا في الحياة الاجتماعية والسياسية. - إسقاط إمارة الرُّها أول إمارة أسسها الصليبيون في الشرق, وذلك الحدث هز الشرق والغرب وكسر هيبة الصليبيين, وأثبت للمسلمين إمكانية الانتصار عليهم وطردهم إلى البلاد التي قدموا منها. وفي 541هـ وهو يحاصر «قلعة جعبر» انتقل البطل عماد الدين ليلقى ربه شهيدا سعيدا بإذن الله كما كان يتمنى ويدعو دائما.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

استثمار في العباقرة

12 يونيو 2014

صانع الفرق

29 مايو 2014

صانع الملوك

15 مايو 2014

للنجاح معنى آخر

24 أبريل 2014

إدارة القلق

10 أبريل 2014