الخميس 15 ذو القعدة / 18 يوليه 2019
10:16 ص بتوقيت الدوحة

أميّة العرب ومسألة الأقليات(2/2)

أميّة العرب ومسألة الأقليات(2/2)
أميّة العرب ومسألة الأقليات(2/2)
يعيش العالم العربي والإسلامي هذه الأيام صراعات داخلية بجانب صراعاته الخارجية مع الآخر غير العربي وغير المسلم، ومن بين أهم أسباب الصراعات الداخلية قضية العرقيات غير العربية في بعض البلدان العربية مثل الأكراد والأمازيغ وغيرهم من العرقيات المنتشرة في كثير من البلدان العربية، ونتيجة لغياب العدالة الاجتماعية في أغلب تلك الدول فإن هذه الأقليات لا شك ستعمل –وهي بالفعل تعمل- على التحزب ضد العرق العربي الذي تعتبره مستبدا. كما أن الأقليات العربية التي تعيش في بعض الدول الإسلامية تعاني هي أيضاً من التمييز وغياب العدالة الاجتماعية كما هو الحال مع العرب في إيران وتركيا وغيرها. إن الأساس الأيديولوجي لمشكلة الأقليات العرقية في العالم ينتصب على فكرة أن الانتماء القومي يمثل الوسيلة الأنجع للحفاظ على الهوية، والطريقة الأهدى للتصدي ضد اختراقات الآخر الذي تنظر إليه الأيدولوجيا القومية لا باعتباره أخاً في الدين والإنسانية بل باعتباره مختلفا ومصدراً للخطر لما يتطلبه من تغيير في قواعد العلاقات الاجتماعية والاقتصادية. سبق لنا الحديث عن كون آدم عربيا وأن العرب يمثلون الأُم (الأصل) بالنسبة للبشرية، لكن ما لم نشر إليه هو أن هذه الأم ظلت على مدى آلاف السنين تنضح بالسلالات التي تبتعد عن البدائية الثقافية التي وُجد فيها آدم وسار عليها أغلب العرب إلى عهد ظهور الإسلام، تلك السلالات التي تطورت وترقت عن بدائية و (أُمّيّة) العرب –ما قبل الإسلام- كوّنت حضارات بعضها قريب مثل حضارة الفينيق في عمان والآشور في العراق والأقباط في مصر، والآخر بعيد مثل الصين واليونان وغيرهما من الحضارات البعيدة عن بلاد العرب الذين عاشوا في حالة أقرب إلى البدائية حتى جاء الإسلام. لا شك أن البعض ربما ينظر إلى هذه القراءة باعتبارها تبخس العرب قبل الإسلام، ولكن هذه الشبهة سرعان ما تزول حين ندرك أن تلك (الأمية) أو البدائية التي كان العرب عليها استطاعت المحافظة على كثير من المعاني الإنسانية، مثل الفطنة، والتلقائية، والكرم، والإيثار، والشجاعة، والتضحية. يقول ابن المقفع في ذكر فضل العرب على الفرس والروم وبقية الأمم: (إن العرب حكمت على غير مثال مثّل لها، ولا آثار أُثرت، أصحاب إبل وغنم، وسكن شعر وأدم، يجود أحدهم بقوته ويتفضل بمجهوده، ويشارك في ميسوره ومعسوره، ويصف الشيء بعقله فيكون قدوة، ويفعله فيصير حجة، ويُحسّن ما يشاء فَيَحسُن، ويقبّح ما يشاء فيقبُح، أدّبتهم أنفسهم ورفعتهم هممهم وأعلتهم قلوبهم وألسنتهم) اهـ. ومما يثير الدهشة في الخطاب القرآني أنه لم يخاطب العرب باعتبارهم (أُمّة) بل خاطبهم باعتبارهم (أُمّيين) أي أنهم أصل (الأُمّة) التي كانت والتي ستكون، كما أنه لم يُشر إلى العرق العربي صراحة، لكنه أشار إلى لغة العرب باعتبارها لغة المعرفة كما في قوله (إِنَّا أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (يوسف:2). ما الذي نستنتجه من كل ذلك؟ إن النتيجة الجوهرية المتحصلة مما سبق هي أن العروبة في حقيقتها ليست مبدأ قوميا كما يفترض من يصنفون أنفسهم باعتبارهم «القوميون العرب»، بل العروبة في جوهرها تمثل انتماء معرفيا وفكريا وثقافيا، وهو ما أكد عليه الأثر المنسوب إلى النبي محمد صلى الله عليه وسلم حين قال: (يا أيها الناس إن الرب واحد، والأب واحد، وليست العربية بأحدكم من أب ولا أم، وإنما هي اللسان، فمن تكلم بالعربية فهو عربي). وهو المعنى الذي استنتجه ابن تيمية بعد دراسة وافية للقضية بقوله (وما ذكرناه من حكم اللسان العربي وأخلاق العرب، يثبت لمن كان كذلك وإن كان أصله فارسيا، وينتفي عمن لم يكن كذلك وإن كان أصله هاشميا) اهـ. لا شك أن عرب الجزيرة يمثلون الأصالة (العربية) بمعناها الثقافي و (البشرية) بمعناها البيولوجي، بيد أننا نستطيع تقرير أن كل من هو غير عربي ولكنه ينطق بلغة العرب فهو في حقيقة الأمر (عربي) لا يختلف عن عرب اليمن ولا عن عرب الشام. فعرب الشام واليمن يمثلون الأم (الأصل) الحافظ للهوية والثقافة، وعرب الدين واللغة يمثلون (الفرع) الممتد بالحضارة والإبداع. الأقليات في العالم العربي لنظرية الأميّة العربية فوائد كثيرة، فكل مسلم من غير العرب عليه ألا يشعر بالدونية ولا بالعداء ضد العربي، فكل إنسان على وجه هذه البسيطة قد كان عربيا في يوم ما، حتى الإنسان الأسود في أدغال إفريقيا عليه ألا يشعر بأية دونية اتجاه العربي بل العكس ربما يكون صحيحا، كما أن معاداة الأعراق المختلفة للعرب ليست سوى معاداة لأصولهم الثقافية وجذورهم البيولوجية. أما الإنسان العربي فعليه أن يستحضر أهمية الدور الملقى على عاتقه، فهو يمثل أصل البشرية، وهي تنتظر منه أن يعمل على وحدتها وسعادتها. لا يمكن لعربي الدم أن ينال احترام وتقدير عربي الثقافة إلا بالتزامه بمبادئ الرحمة والإحسان والعدالة والمساواة التي جاءت بها الشرائع والتي أكد عليها الإسلام. إن الالتزام بقيم الإسلام العظمى هو شرط ضروري لحلّ إشكالية العداء المستحكم بين العرب وبين الأقليات العرقية في بلدانهم، وكذلك الأمر بالنسبة للأقليات العربية التي تعيش في دول إسلامية غير عربية. لا يبتغي هذا الطرح الانتصار على قومية قبال أخرى، ولا يريد لا الاستهانة ولا التعظيم من شأن العرب، إنما يحاول هذا الطرح التأكيد على حقيقة أن البشر جميعاً متساوون في الأصول، وهم وإن تعددت فروعهم فأصلهم العربي ما زال باقياً ليجمعهم تحت مظلة القيم الإسلامية العظمى، وأن أية محاولة عربية للنهوض الحضاري لا تنطلق من تلك المبادئ لن يكتب لها النجاح كما هو واضح من استقراء التاريخ. فهل سيعود آدم غير العربي إلى أمه العربية؟ وهل يمكننا القول إن اسم (آدم) مشتق من (عاد.. أُم) التي تعبّر عن العودة إلى (الأم) وأن الآدمية ليست سوى عودة إلى الأم؟ إنها العودة إلى الأصل، إنها العودة إلى العروبة الأخلاقية التي زكاها الإسلام.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.