الأربعاء 19 ذو الحجة / 21 أغسطس 2019
09:37 م بتوقيت الدوحة

أميّة العرب ومسألة الأقليات (1/2)

أميّة العرب ومسألة الأقليات (1/2)
أميّة العرب ومسألة الأقليات (1/2)
اختلف الناس قديماً وحديثاً حول أصل الإنسان ونشأته وتطوره. الطرح التقليدي الذي يفصله «سفر التكوين» في التوراة يقدم نظرية بدء الخلق البشري من خلال شخصية «آدم» أبو البشر، باعتباره شخصاً واحداً نشأ مباشرة من الطين، ولم يتطور في نموه عن كائن آخر. بينما تقدم الأطروحات العلمية البيولوجية القائمة على أسس تشريحية وجينية نظريةً مغايرة مفادها أن الإنسان مرّ خلال نشأته في أطوار متعددة حتى وصل إلى هيئته النهائية التي هو عليها اليوم، وأن هذا التطور في النشأة لم ينفرد به إنسان واحد وإنما حصل لمجموعة كبيرة من مكونات الجنس البشري في ظروف كونية مواتية أدت إلى تطور هذه المجموعة الإنسانية إلى طورها النهائي المعروف اليوم. أصحاب النظرية التقليدية لم يقبلوا نظرية «التطور» لأنها حين طُرحت في أول الأمر من قبل عالم الأحياء تشارلز دارون افترضت أن الإنسان ربما يكون قد تطور عن (قرد)، ولكن مع تطور طرائق البحث العلمي ظهرت نظريات علمية حديثة تجاوزت هذه الحجة الكلاسيكية، فأخذت نظريات التطور تقول إن الإنسان إنما تطور في نشأته من سلالة أخرى وهي (RD) التي انقرضت مع تطور البشر إلى صورتهم النهائية. الطرح الإسلامي حول هذه القضية كان قريبا جداً –إلى درجة الالتصاق- من النظرية التقليدية، ولكن مع ظهور النظريات والدلائل العلمية المتقدمة بدأت تظهر بين المسلمين أصوات قوية تدعو إلى إعادة قراءة النص القرآني بعيدا عن الضغط الروائي الإسرائيلي، ويزعم أصحاب هذه الآراء أن القرآن الكريم يدعم نظرية النشوء والارتقاء، كما أنه يقول إن (آدم) المذكور في القرآن الكريم لا يعبر عن شخص واحد وإنما يُعبر عن الجنس البشري بشكل عام. ما سُيطرح فيما يلي لا علاقة له بهذا الجدل الأركيولوجي، ولا يروم الانتصار لنظرية على حساب أخرى، ما سيطرح في الفقرات التالية يمثل تجاوزا لهذا الجدل، لا من حيث المرحلة التاريخية لظهور وتطور الإنسان وحسب، بل ومن حيث الانطلاق من مسلّمات يجتمع عليها أصحاب النظرية التقليدية والعلمية الحديثة معاً. لن نتحدث هنا عن الإنسان (الأول) وكيف ظهر، وإنما ما الذي حدث لذلك الإنسان من بعد؟ أي ماذا عن الإنسان في مرحلته الثانية والثالثة والرابعة.. إلخ؟ النظرية الدينية التقليدية والنظرية العلمية مجتمعتان على حقيقة أن الإنسان الأول تكاثر في نسله إلى أن أصبح مكوناً من أعراق متمايزة، منه الأبيض والأسود والأحمر والأصفر، ولكن أي عرق هو الأول وأيها الأخير؟ بعض أنصار النظرية العلمية الحديثة يزعمون أن الإنسان الأول كان من العرقية السوداء انطلاقا من فكرة أن المظهر الخارجي للإنسان الأول يجب أن يكون قريبا من الشكل الخارجي للقرديات الكبرى، باعتبار (القرود) هي الأقرب إلى الإنسان سلاليا من بقية الكائنات الحية. في الجانب الآخر تطرح النظرية الدينية –سفر التكوين مجددا- نظرية مفادها أن الإنسان الأول أنجب مجموعة من الأولاد بينهم سام وحام ويافث، وأن الأعراق المختلفة ليست سوى ذرية هؤلاء الأبناء. شخصياً أشعر بالتوجس من اعتماد كلتا النظريتين، لأسباب موضوعية، أهمها أن نظرية تطور الإنسان عن القرود تم التشكيك وبقوة في تماسكها، أما النظرية الدينية التقليدية فلأنها تعتمد على مصدر نصي غير موثوق، فكل الدلائل التاريخية تشير إلى تعرض نص التوراة إلى التحريف والتبديل والانتحال. عروبة آدم كثيراً ما أرقتني دلالة الوصف القرآن لأمة العرب بأنهم (الأُميّين) وأن نبيهم (الأُميّ)، والتي بنى عليها أغلب المفسرين نظرية (جهل النبي) بالقراءة والكتابة، فإن ثبت كونه لا يقرأ ولا يكتب فما بال أمة العرب التي عُرفت بالتجارة وكتابة الأشعار والمعلقات والعهود والمواثيق حتى توصف بأنها تجهل (القراءة والكتابة)؟ إلا أن ذلك الأرق قد زال حين بدأت بعض الحقائق المتعلقة بدلالة (الأميّة) تتكشف من خلال الدراسات القرآنية والدراسات الأنثروبولجية. وردت مفردة «الأُم» في أكثر من موضع في القرآن الكريم، والمقصود بالأم في جميع تلك الموارد هي المرأة والدة الأبناء. بيد أن هذه المفردة «الأُم» وردت في مواضع أخرى ولا يراد منها معنى الوالدة حقيقة كما في الآية (مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ)، والآية (وَلِتُنذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا)، وإنما يراد منها معنى مجازيا مقاربا وهو «الأصل» أو الأساس أو مبتدأ النشأة، والذي هو مشتق أيضا من توالد الكتب والقرى بعضها من بعض. بالتالي يمكننا الزعم أن الأُمية في القاموس القرآني لا تعني جهل القراءة ولا تدل على عدم الكتابة كما يذهب أكثر المفسرين، بل هي تشير إلى مفهوم «الأصل» بالمعنى البيولوجي أي الوالدة، أو بالمعنى المجازي أي مبتدأ النشأة. إذا استحضرنا النتيجة السابقة سنجد أن مصطلح (الأُميّين) الوارد في القرآن ينبغي قراءته باعتباره دالاً على المجموعة من البشر الذين يمثلون «أصل البشرية»، أي كما أن مكة أصل لجميع القرى حولها، كذلك العرب هم أصل لبقية البشر. كذلك الأمر مع مصطلح (النبي الأُميّ) ينبغي أن يُقرأ لا باعتباره دالاً على النبي جاهل القراءة والكتابة، بل مؤشرا على النبي الذي يعود بالبشرية إلى أصولها الثقافية وجذورها الأنثروبولوجية. ومما يعزز هذه القراءة إيراد القرآن الكريم -سورة الأعراف نموذجا- قصص الأنبياء جميعا بدءا من نوح وانتهاء بالمسيح باعتبارهم من سكان المناطق المجاورة لمكة، الأمر الذي تؤكده دعوة القرآن أهل مكة الاعتبار بمن مضى من جيرانهم من الأمم التي حلت عليها النقم بسبب الجحود والطغيان، فالإنسان الأول ظهر في هذه المنطقة بالذات، منطقة مكة وما حولها. وتشير معظم الدراسات البيولوجية إلى أن الإنسان الأول (آدم) ظهر في منطقة القرن الإفريقي القريبة جداً من جزيرة العرب، ومن ثم بدأ في الهجرة من القرن الإفريقي مرورا بجزيرة العرب وحتى وصوله إلى العراق، ومن تلك البلاد انقسم البشر في اتجاهات شتى. وقد اعتمد علماء البيولوجيا الذين زعموا أن (آدم) ظهر في القرن الإفريقي على أن أقدم هيكل عظمي للكائن الذي تطور منه الإنسان تم اكتشافه في القرن الإفريقي، وهذا الدليل رغم قوته إلا أنه ليس دليلا قاطعا لأن آدم ربما يكون قد ظهر في جزيرة العرب أو في غيرها، ولكن المتغيرات المناخية التي مرت بها هذه البقعة من كوكب الأرض اندثرت معها بقايا الإنسان الأول. ونحن إذ نزعم أن أصل آدم عربي لا ننطلق سوى من المنطلقات العلمية ذاتها، فمنطقة القرن الإفريقي التي يتحدث عنها هؤلاء الباحثون لم تكن منفصلة عن منطقة الجزيرة العربية، وبدأت في التباعد مع الزمن مخلفة ما بات يعرف اليوم بـ (مضيق باب المندب)، كما أن العرب يتميزون عن غيرهم من البشر بأن صفاتهم الخارجية تشترك مع جميع الأمم، فهناك العربي الأسود كما هو الحال في السودان والصومال والحبشة والذي تفرع منه (العِرق الأسود)، وهناك العربي الأبيض كما هو الحال مع عرب الشام، وهناك العربي قريب الشكل من الشعوب الصينية، أما الأمم الفارسية والتركية والهندية والسندية والكردية والأمازيغية فهي تمثل مرحلة انتقالية بين العرب (الأصل) وبين الأصناف الأكثر تمايزا في أعراقها كالشعوب الأوروبية (العرق الأبيض) والشعوب الصينية (العرق الأصفر). كما تتميز اللغة العربية بكونها مشتركة مع أصول اللغات العالمية، وأن اللغات التي كانت سائدة قبل ظهور اللغات الأوروبية الحديثة كانت تنتمي إلى اللغة العبرية والعربية، وكلاهما ينتميان إلى أصل واحد مشترك وهو اللغة الإِرَمْية التي يسميها البعض الأرامية نتيجة الترجمة من اللغات الأوروبية، واللغة الإِرَمْية –كما أوضح كمال الصليبي في كتابه (البحث عن يسوع)- تنتمي إلى مدينة إِرَمْ المذكورة في القرآن باعتبارها واحدة من أقدم المدن التي عرفها البشر، وهذه المدينة تقع في جنوب جزيرة العرب بالتحديد في صحراء عمان قريبا من اليمن. بيد أن السؤال الملح في هذه المرحلة هو عن جدوى إثارة مثل هذه القضية في هذا الوقت الذي تمر فيه الأمة بانتكاسات وإخفاقات وانقسامات؟ هل سيفيد مثل هذا الطرح العرب بشكل خاص والمسلمين بشكل عام في شيء؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.