الخميس 18 رمضان / 23 مايو 2019
03:51 م بتوقيت الدوحة

عام مضى.. عام أتى.. ما الجديد؟!

د. سعيد حارب

الإثنين، 23 ديسمبر 2013
عام مضى.. عام أتى.. ما الجديد؟!
عام مضى.. عام أتى.. ما الجديد؟!
بعد أيام سندخل عاما جديدا وحالة العالم «لا تسر عدواً ولا صديقاً»، فقد ازداد فارق الفقر بين الدول، كما ازدادت مشكلاتها وحروبها، وتلويثها للبيئة، وقضائها على الطبيعة، وتقسم العالم إلى شرق وغرب وشمال وجنوب، بل إلى قسمين شمال وغرب، وشرق وجنوب، وأصبح القسم الأول ملازماً للتقدم والصناعة والقوة والوفرة ورغد العيش رغم الأزمة الاقتصادية التي تضرب أطنابها دول العالم، بينما أصبح القسم الثاني ملازماً للتخلف والضعف وشح الإمكانات وخشونة العيش رغم أن البشرية «بصفة عامة» زادت من أموالها واستهلاكها وإمكاناتها المادية، لكن مع اختلاف في التوزيع فدراسات الأمم المتحدة التي تنشرها من خلال تقارير التنمية البشرية السنوية تشير إلى أن البشرية قد ازداد في الاستهلاك العالمي بما يعادل 16 مرة، وقد ازداد نصيب الفرد من الاستهلاك في أوروبا بمعدل %2.3 سنوياً خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، أما في شرق آسيا فقد ازداد الاستهلاك %6.1، وفي جنوب آسيا ازداد بنسبة تبلغ %2، ومع ذلك لا تزال كلا المنطقتين تعيشان حالة من التخلف تجعلها تتربع على كرسي الدول النامية، أما إفريقيا فحالها أسوأ عما كانت عليه قبل ربع قرن، فقد تراجع استهلاك الفرد والأسرة فيها بنسبة %20 عما كانت عليه قبل تلك السنوات، وهناك بليون إنسان في العالم يعيشون في الدول النامية لا يجدون الحاجات الأساسية، وليس هذا الأمر بغريب إذا عرفنا أن %20 من سكان العالم وهم الذين يعيشون في الدول الصناعية يحصلون على %86 من أموال العالم! أما أفقر %20 من سكان العالم فلا يحصلون من أمواله إلا على %1.3، ولا يتوقف الأمر على الأموال فقط بل يتجاوز إلى كل جوانب الحياة فهؤلاء الـ%20 أي خمس سكان العالم (1/5)، يحصلون على %45 من اللحوم والأسماك التي تستهلك في العالم، بينما الخمس الأفقر يحصل على %5 فقط، وفي الطاقة يحصل الخمس الأغنى على %58 من الطاقة في العالم، أي أكثر من النصف، بينما يحصل الخمس الأفقر على أقل من %4، أما عن خطوط الهاتف فإن الخمس الأغنى أي %20 من سكان العالم يملكون %74 من خطوط الهاتف أي ما يقرب من أربعة أخماس الهواتف بينما يحصل الخمس الأفقر على %1.1 من ذلك، وعن استهلاك الورق فإن الخمس الأغنى يستهلك %84 من الورق في العالم، بينما يستهلك الخمس الأفقر %1.1، وعن وسائل النقل من المركبات فيملك الخمس الأغنى %87 منها، بينما يملك الخمس الأفقر %1، ومقابل ذلك فإن ما يقدمه الخمس الأغنى من تلوث للبيئة يعادل ما يملكه من صور الرفاه تقريباً، أي إنه يأخذ من العالم أفضل ما لديه ويقدم له أسوأ ما عنده، فنصيب الفرد من انبعاث ثاني أكسيد الكربون يزداد في الدول الصناعية، إذ إن نصيب الفرد في الولايات المتحدة الأميركية –مثلاً- 20.5 (20.5 طن متري) سنوياً، وفي كندا 14.8 طن متري وفي ألمانيا 10.3 طن متري، وفي اليابان 9.0 طن متري، وفي المكسيك 3.9 طن متري، وفي البرازيل 1.6 طن متري، ويتسبب الخمس الأغنى من سكان العالم في الدول الصناعية بـ%53 من انبعاث ثاني أكسيد الكربون، بينما يتسبب الخمس الأفقر بـ%2 فقط، وقد أدى ذلك لظاهرة الاحتباس الحراري التي تهدد العالم، بل تهدد بظواهر بيئية وطبيعية خطيرة، إذ تشير الدراسات إلى أنها ستؤدي إلى ارتفاع منسوب الأرض، وستجد دولاً مثل بنجلاديش أن نسبة %17 من أراضيها قد غمرها البحر، بل إن دولاً أخرى يقدر لها أن تزول من الخارطة، خاصة الجزر منها فدولة مثل «مالديف» يقدر عمرها الافتراضي الباقي 35 سنة فقط، ثم يغطيها البحر بسبب الاحتباس الحراري الناجم عن التلوث البيئي، ولعل من الإحصاءات الطريفة أن الطفل الذي يولد في العالم الصناعي يضيف إلى الاستهلاك والتلوث على مدى حياته أكثر مما يفعل ذلك 30 إلى 50 طفلاً يولدون في البلدان النامية!!، ومن أخطر الظواهر البيئية القادمة هو شح المياه، فقد أصبح نصيب الفرد أقل من 1000 متر مكعب، وذلك في عشرين بلداً تعاني نقص المياه، أما على المستوى العالمي فقد انخفض نصيب الفرد من المياه من 17000 متر مكعب عام 1950 إلى أقل من 7000 متر مكعب فقط في العقد الأول من هذا القرن، وزالت سدس المساحة الزراعية في العالم وانكمشت نسبة الغابات لكل 1000 من سكان العالم، حيث كانت 11.4 كيلو متر مربع عام 1970 لتصبح %7.3 كيلو متر مربع فقط واستنزفت البشرية ربع المخزون السمكي، بينما يتم صيد الأسماك بزيادة %44 عن حجم الصيد الطبيعي المفترض، وانقرضت كثير من المخلوقات البرية بسرعة تتفاوت بين 50-100 مرة عن معدل انقراضها الطبيعي، ويأتي الفقراء والدول النامية في مقدمة ضحايا كل هذه التغيرات، فنقص المياه يهدد 132 مليون إنسان في الدول النامية معظمهم في إفريقيا والدول العربية، ويُتوقع أن يرتفع عددهم بسرعة هائلة خلال الخمسين سنة القادمة، إذ سيصل عام 2050 إلى ما بين 1-2.5 بليون إنسان، ويموت سنوياً 2.7 مليون إنسان بسبب تلوث الهواء، %80 منهم من الفقراء، ويتعرض 15 مليون طفل في أميركا اللاتينية لخلل دائم في المخ بسبب انبعاث الرصاص بنسبة عالية، ومقابل هذا لا يبدو الإنسان مهتماً بما يدور حوله، وكأنه يعيش على كوكب آخر غير الأرض، فهو يستهلك بسرعة ويعيش حالة من الترف غير مسبوقة، فقد تغيرت عنده الأولويات وأصبحت الكماليات بالنسبة له في منزلة الضروريات، وتغيرت كثير من قيمه ورؤيته للحياة بصورة سلبية، فقد انهارت معظم القيم الإنسانية لصالح قيم السوق والمادة وأصبح -كما تشير تقارير الأمم المتحدة- الجيل المعاصر يقدم الخط الاستهلاكي في حياته على أي صورة أخرى، وتراجع –مثلاً- الادخار في الأسرة عما كان عليه قبل 15 سنة، ففي الولايات المتحدة الأميركية هناك %3.5 من الأسر تدخر لمستقبلها، كما أن من تسميهم التقارير (المراهقون العالميون) أي الذين يلتقون حول بعض القيم مثل اتباع أنماط سلوكية واحدة ويعيشون حالة متشابهة في نمط استهلاكهم، حيث يهتمون بالموضة والماركات والصراعات الجديدة، فقد بلغ عددهم ما يقرب من 270 مليون مراهق، ما بين 15 و18 وهم الجيل الذي يؤمل له قيادة العالم، هذا حال البشرية وهي تغادر عاما لتستقبل عاما، فما الجديد؟!!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا