السبت 17 ذو القعدة / 20 يوليه 2019
12:13 ص بتوقيت الدوحة

طول بالك

«النافذة المكسورة»

«النافذة المكسورة»
«النافذة المكسورة»
في عام 1970 قامت مدينة نيويورك بمحاولة جادة من أجل تخفيض معدل الجرائم في المدينة، وعلى وجه التحديد في المناطق الفقيرة، والتي كان يتعرض المارة فيها بشكل دوري لجرائم متعددة ومختلفة من السرقة إلى القتل، وقد كانت الطريقة التي اقترحها عمدة نيويورك هي بكل بساطة زيادة عدد أفراد الشرطة حول المدينة من خلال توزيعهم في أرجاء المدينة مشياً بين مختلف الأماكن، لمنع أي جرائم من الوقوع، وهذه الفكرة أو الاقتراح –نظرياً- منطقي للغاية، فزيادة رجال الشرطة ونشرهم لا بد أنها سوف تخفف من معدل الجرائم لأن المجرمين لن يقدموا على الجرائم، لأن نسبة وقوعهم في قبضة القانون صارت أكبر بكثير، ولكن حتى أعتى النظريات لا تلبث وأن تفشل في أرض الواقع، لأن معدل الجريمة زاد مع زيادة عدد أفراد الشرطة، أثار هذا الأمر حيرة المسؤولين لأن تطبيق الفكرة أدى إلى نتيجة عكسية لما كان متوقعاً! وفي السياق ذاته دفع هذا الأمر العالم جيمس كيو ويلسون إلى التقصي والبحث في مجال «علم الإجرام» من خلال تنفيذ عدد من تجارب علم النفس الاجتماعي، وأدى بحثه لاكتشاف أن مجرد زيادة عدد أفراد الشرطة لم يكن حافزاً لدى الكثير من سكان مدينة نيويورك، لأنهم لم يعتبروا رجال الشرطة مدافعين عن حقوقهم وأنهم مسخرون لحمايتهم، بل على العكس كان كثير منهم يبغضهم نظراً لحوادث التفرقة العنصرية من قبل كثير من رجال الشرطة البيض ضد السود في تلك الفترة. وقد استمر بحث جيمس كيو لأكثر من هذا ليبني نظرية سماها «النافذة المكسورة»، والتي من خلالها أوجد حلاً لكثير من المشاكل والجرائم التي تواجه مدينة نيويورك. وينص جيمس كيو على التالي «افترض وجود مبنى مكون من عدد من الطوابق، وفي أحد هذه الأدوار هناك بعض النوافذ المكسورة، إذا لم يقم أحد بتصليح هذه النوافذ، فإن نسبة تخريب باقي النوافذ تزيد، ومع الوقت قد يزيد الوضع سوءاً لدرجة أن هناك من قد يتجرأ على اقتحام المبنى وزيادة نسبة التخريب». إن نظرية «النافذة المكسورة» تعني إذاً أن المحافظة على الشكل الخارجي، والهيئة العامة للمباني والمرافق العامة من شأنه أن يقلل من نسبة الجرائم التي قد تحدث في منطقة ما، نظراً لأن الترتيب والتنسيق لهذه المرافق سوف يجعل المجرم يفكر ويعتقد أن هناك رقابة عامة على هذه المناطق وأنها ليست مهجورة. هذه النظرية أثارت الكثير من الجدل في وقتها –وما زالت تولد الكثير من الانتقاد حتى يومنا- وذلك لأن الإثبات العلمي لها لم يكن على أسس واضحة، وقد خرجت العديد من المقالات والدراسات التي تناقض فرضيتها، وأنها مجرد تصور خاطئ. ولكن هذا لم يمنع جيمس بارتون من تطبيق هذه النظرية في مجال عمله. لقد قام بارتون بتطبيق هذه النظرية في مدينة نيويورك على الفور بعد تعيينه المفتش العام للشرطة في المدينة. في البداية عمد إلى تجميل المناطق الفقيرة، والمحافظة على المباني القديمة وتحسين المرافق العامة، في الوقت ذاته اعتمد سياسة «لا تساهل» من خلال القبض على الكثير من المخالفين حتى لأبسط القوانين –والتي على العادة لا يقبض أو يحاكم فاعلها- مثل مخالفة السير في الشارع، التهرب من دفع أجرة القطار، تخريب المناظر العامة من خلال الرسم على الحائط. وقد دفعت هذه التغييرات سكان المدينة للتساؤل (ما الذي يفعله المفتش العام؟ ولماذا يضيع وقته في مثل هذه الجرائم التافهة عوضاً عن البحث في الجرائم الأخطر؟) ولكن النتيجة كانت مثيرة للإعجاب بحق، حيث أشارت الدراسات أنه منذ تطبيق النظرية 1990 وحتى عام 1992 فإن معدل الجرائم انخفض لنسبة %30 وليس فقط في الجرائم الصغيرة ولكن في المعدل العام، وهذا أدى أيضاً إلى تطبيق النظرية في مدن مختلفة عبر الولايات المتحدة الأميركية، رغم أن هناك من لا يزال يشكك في صحة هذه النظرية.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.