الأربعاء 17 رمضان / 22 مايو 2019
10:33 م بتوقيت الدوحة

رمح الأمة

د. سعيد حارب

الإثنين، 16 ديسمبر 2013
رمح الأمة
رمح الأمة
«خلال حياتي نذرت نفسي لكفاح الشعب الإفريقي، لقد كافحت ضد سيطرة البيض وكافحت ضد سيطرة السود واعتززت دوماً بمثال لمجتمع ديمقراطي حر يعيش فيه كل الناس معاً في انسجام وفرص متساوية، إنه مثال آمل أن أعيش من أجله وأحققه، وإذا اقتضت الضرورة فأنا على استعداد للموت من أجله»، إحدى وخمسون سنة تقريباً مرت على هذه الكلمات وهي تدوي في قاعة المحكمة في السابع والعشرين من نوفمبر عام 1962م، وكانت آخر كلمة مطولة ألقاها الزعيم «نيلسون مانديلا» حين حُوكم هو وزملاؤه، مرت هذه السنوات الطوال و «مانديلا» شاغل الناس والعالم وها هو اليوم يترجل عن حصانه الذي قاد به شعباً من العبودية إلى الحرية ومن التفرقة إلى المساواة، وقد حقق حلمه في مجتمع ديمقراطي حر، لقد خاطب شعبه عندما ترك الرئاسة قائلا «آمل أن يعمل الجنوب إفريقيين من كل جنس معاً من أجل رجل عجوز يريد أن ينام للأبدية وابتسامة تعلو وجهه «وقد رحل بعد أن حقق حلمه، وكان قد ترك الزعامة وعاد إلى موطنه ليحقق رغبته في العودة إلى قريته «كونو» في مقاطعة «ترانسكاي»، وأن يتجول بين الحقول وعلى ضفاف النهر ويسترجع طفولته التي حُرم منها وأن ينشئ بيتاً يشبه بيت سجانه الذي حبسه خلف القضبان أكثر من سبع وعشرين سنة، فلم يكن معجباً بشيء فيه سوى بيته، فقد كان أمله وثقته شديدين في أنه سيخرج من سجن «روبن آيلاند» ويبني ذلك البيت الذي وصفه بأنه «بيت واسع من طابق واحد من اللبن الأحمر وله أقواس إسبانية الطراز، ويقف البيت في نهاية صف من أشجار الأرز محاطة بسور وحديقة وأزقة تفصله عن الريف المفتوح، وسأعيش متقاعداً في هذا البيت، في مدينتي لأن المرء يجب أن يموت قرب مكان ولادته»، هكذا تخيل مانديلا بيت التقاعد وهو في السجن، وها هو حلمه يتحقق بعد مسيرة مليئة بالكفاح والتسامح، فمنذ أن ولد «روليهلاهلا مانديلا»، أو «نيلسون مانديلا» كما أطلق عليه في المدرسة التبشيرية التي لم يعجبها اسمه الإفريقي «روليلاهلا» في 18 يوليو عام 1918م، وهو يعيش حياة مليئة بالحركة والنشاط، فقد ازدحمت الفترة التي وُلد فيها بأحداث جسام إذا كانت الحرب العالمية الأولى تقترب من نهايتها، بينما يتشكل نظام سياسي جديد في روسيا بعد الثورة البلشفية، وترسخت سيطرة المستعمر الإنجليزي في بلاده، وما صاحب ذلك من سيطرة للبيض على جنوب إفريقيا وتطبيقهم لنظام الفصل العنصري، وقد عاش مانديلا تلك التحولات في طفولته مثلما عاش في بيت «ثوري» يرفض الهيمنة الاستعمارية للبيض، فقد كان والده «هندري مانديلا» رجلاً ذا عزة وأنفه وكبرياء زرعها في ابنه، وقد كان زعيماً لقبيلته، ففي أول مواجهة يشهدها «نيلسون» في بيته اصطدم والده بالقاضي «الأبيض» في قريتهم الذي رفض «هنري» المثول أمامه لعدم اعترافه بشرعيته، وأصدر القاضي حكماً جرد والد مانديلا من زعامته للقبيلة مثلما جرده من أمواله ومواشيه وأرضه، وقد أثر ذلك في نفس «الطفل» مانديلا وهو يرى هيمنة الرجل الأبيض على وطنه، وقد شعر منذ طفولته أنه يحمل رسالة لا بد أن يؤديها وهي إنقاذ أمته من حالة الهوان التي فرضها عليها المستعمر الأجنبي لكن الأفارقة كانوا يبحثون عن زعيم، وقد كتب وهو في سجنه «من صفات أي زعيم عظيم القدرة على إبقاء وحدة كل قطاعات شعبه– التقليديين والإصلاحيين والمحافظين والليبراليين»، ولذا نشأت لديه فكرة الإخاء الإنساني الإفريقية «أبونتو»، وقد ألهبت تلك المعاني لدى مانديلا مفاهيم كثيرة من الثورة والإصلاح، والأخوة والمقاومة، والوحدة والتنوع، والمحاسبة والتسامح، وانعكست تلك المبادئ على سلوكه فزادته صلابة وقوة ولم تؤثر المواقف التي مر بها في زحزحته عن تلك المبادئ، لكنه صدم بالواقع الذي يحرمه من حق الحياة الحرة الكريمة بين قومه وعلى أرضه، فالتحق بالمؤتمر الوطني الإفريقي الذي كان يناضل من أجل الحرية والمساواة، وقد قاده ذلك إلى السجن، بعد إلقاء القبض عليه مع مجموعة من مناضلي حزب المؤتمر الوطني الإفريقي أمثال «سيسولو وكاثرادا وجوفان وأمبيكي والد الرئيس السابق ثاموا أمبيكي»، ولم يقتصر السجن على السود وحدهم بل كان معهم بعض المناضلين البيض ضد التفرقة العنصرية مثل «دنيس جولد بيرج» الذي اعتقل وسجن لمدة 22 عاماً، فقد كانت هذه المجموعة شكل القوة الضاربة للمؤتمر الوطني، إذ تم اختيارهم من أفضل العناصر لمقاومة المستعمر وأسند إليها مهمات صعبة كالقيام بحرب العصابات وغيرها، ولذا أطلق عليها مجموعة «رمح الأمة» M.K لكن أحد الخونة وهو «برونومتولو» وشى بمجموعة «الرمح»، مما أدى إلى إلقاء القبض عليهم في «ريفونيا» وافتتحت محاكمتهم أمام القاضي اليهودي «كوارتوس دي فيث أفريكانيا» الذي أصدر حكمه عليهم بالسجن المؤبد ليسجن مانديلا أولاً في سجن «بريتوريا» ثم ينقل إلى سجن جزيرة «روبن» ويقبع خلف الحديد سبعاً وعشرين سنة ويمنع من ممارسة أبسط الحقوق الإنسانية حتى من لبس السروال الطويل!! حيث تفرض قوانين الفصل العنصري على المسجونين من السود لبس السراويل القصيرة تمييزاً لهم، ولم يتصل بالعالم إلا عام 1981م، حين سمح له بتسلم رسالتين من عائلته في الشهر، كما سمح له باستقبالهم مرتين في الشهر كذلك، وفي عام 1990 تغير العالم، لكن مبادئه لم تتغير، خرج ليرى سقوطاً مريعاً لإحدى قوى العالم، وهو الاتحاد السوفيتي السابق، وهو الذي اتهم ودخل السجن بسبب اتهامه بالتعامل مع الشيوعيين، بل والانتماء إليهم رغم أنه لم يكن شيوعياً، خرج ليجد جنوب إفريقيا جديدة، فقد دخل السجن شاباً في ريعان شبابه وخرج شيخاً عجوزاً، لكن ذلك لم يمنعه من أن يبني أمة جديدة في جنوب إفريقيا، وها هو يرحل مطمئنا عليها بعد أن أدى رسالته.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا