الإثنين 15 رمضان / 20 مايو 2019
06:27 م بتوقيت الدوحة

صراع المشاريع ثالثاً: المشروع المغولي

صراع المشاريع ثالثاً: المشروع المغولي
صراع المشاريع ثالثاً: المشروع المغولي
في عام 1155م وحول نهر أتون ولد «تيموجين»، وبما أن الشخصيات العظيمة في تاريخ الأمم والشعوب لا بد أن تمر بظروف قاسية تصهر حقيقة معادنهم وتصقلها وتجعلهم يتعلمون من دروس الزمان، ويتدربون على تحمل المشاق فإن الغلام الذي هو ابن أحد زعماء المغول عانى وأسرته بؤس الفقر ومرارة الجوع والحرمان، ولقي ذل الأسر بعدما توفي والده مسموما وعمره 10 سنوات. استطاع «تيموجين» أن يصعد نحو القمة وببطء وسط طريق مليء بالمصاعب والتحديات، حتى غدا بعد فترة من الزمان زعيما مطاعا، وفي اجتماع ضم بعض زعماء قبائل المغول بايعوه خانا وأطلقوا عليه لقب «جنكيزخان» أي قاهر العالم. تميز «جنكيزخان» بالشخصية القيادية ذات الكاريزما القوية والعبقرية في التنظيم، وشدة الالتزام بالنظام والعمل الدؤوب، كما تميز بالمكر والدهاء وسعة الحيلة، ومن مواصفاته المهمة وفاؤه الكبير لأصدقائه المخلصين، ولكل مخلص له خدم معه، وكان يمارس الشورى مع قادته، ويحرص على كسب والاستفادة من الكفاءات النادرة في عصره من غير المغول. كان «جنكيزخان» شجاعا بشكل مذهل وكريما سخيا يضرب بكرمه المثل، وأهم قيمة عنده كان الولاء المطلق له فكان يقدمه على كل قيمة، كما كان سفاكا قاسي القلب يرتكب المذابح المريعة والفظائع الرهيبة التي تقشعر منها الأبدان دون أن يطرف له جفن. أسس «جنكيزخان» المشروع المغولي الذي يقوم على التوسع والسيطرة على العالم وقد استطاع أن يتغلب على كل المواقف والدول التي عاصرها، حتى تمكن من حكم نصف العالم المعروف في زمانه، ولم يكن الجانب الديني ذا أهمية تذكر عند المغول، إنما المهم عندهم خضوع الشعوب لهم، وبعد ذلك أنت حر في دينك وممارسة شعائرك؛ ولذا تجد معهم كل المذاهب ولا يتدخلون في شؤونهم الدينية، بمعنى أنهم كانوا أقرب ما يكون إلى الليبرالية الدينية. وبعد وفاة «جنكيزخان» تولى مكانه ابنه «أوكتاي» فوجه ثلاثة جيوش ضخمة: أحدها تجاه الصين فاحتل بكين ثم واصل زحفه. وجيش آخر باتجاه أوروبا وصل إلى مدينة برلين. وجيش ثالث باتجاه بغداد. وكان حكام الدولة الخوارزمية تصرفوا بحماقة في عهد «جنكيزخان» عندما قتلوا تجار المغول وسلبوا أموالهم، فكانوا سبب توجه «جنكيزخان» للغرب فحطم الدولة الخوارزمية ونشر فيها الموت والدمار، وصار خلفاؤه من بعده على نهجه الدموي. ومن الأمثلة على ذلك أنه عندما سقطت في أيديهم مدينة (مرو) أمر «تولوي» ابن «جنكيزخان» أن يُقتل أهل المدينة أجمعين فقتل الرجال والنساء والأطفال. وفي حادثة أخرى حاصر «توجاشر» زوج ابنة «جنكيزخان» نيسابور إلا أنه قتل بسهم من داخل حصن المدينة. ولما علم «تولوي» توجه بنفسه إلى نيسابور وحاصرها ورفض كل محاولات الصلح، وعندما وقعت المدينة بيده أمر بقتل كل من فيها؛ فقتلوا النساء والأطفال والرجال حتى القطط والكلاب قتلوها، ثم أمر بفصل كل رأس عن جسده، ووضعَ الرؤوس في جانب والجثث في جانب آخر حتى لا يرقد حي بين جثث الموتى فينجو. واستمر المغول على هذا الأسلوب الوحشي عند كل مدينة أو إقليم إسلامي يبدي مقاومة لهم ويقاتلهم، وكلما كانت المقاومة أشد كانت المجازر التي ترتكب أفظع وأشنع. إلى أن سار «هولاكو» بجيشه إلى بغداد فدمرها 656هـ ثم أباحها لجيشه أربعين يوما فألقيت الكتب في نهر دجلة حتى غدا لونه أسود من الحبر وجسرا تعبر عليه الخيول. وبعد بغداد كانت حلب أول مدينة شامية تواجه الإعصار المغولي؛ إذ أمر «هولاكو» قواته بمهاجمة الشام، وبعد حصار شديد استسلم أهلها مقابل الحفاظ على حياة الناس، إلا أن المغول كعادتهم غدروا واستباحوا المدينة 5 أيام فقتلوا فيها الرجال والنساء والأطفال. ولما سمع أهل حماة ودمشق ما حصل لحلب سارعوا للتسليم لـ «هولاكو» سلميا. وهكذا خضعت الشام للمغول حتى وصلت خيلهم إلى أطراف غزة، وطمعوا في ملك مصر، إلا أن الله ألهم المماليك حكام مصر أن يُجمعوا أمرهم ويُنحَّوا خلافاتِهم الداخلية ويُعلوا المصلحة العامة للأمة، فوحدوا جبهتم الداخلية تحت قيادة المظفر قطز ثم توجهوا إلى ملاقاة المغول في مكان في غور الأردن بفلسطين يسمى عين جالوت فسميت المعركة باسمه. لقد كانت هذه الحقبة من التاريخ من أخطر المراحل التي مرت بالأمة في مواجهة جيش لم يهزم من قبل؛ فمنَّ الله على المسلمين بالمماليك، وبعد معركة شرسة بلغت فيها القلوب الحناجر انتصر المسلمون بقيادة المظفر قطز وبمساندة فعالة من الظاهر بيبرس كسروا جيش المغول وأبادوه في الشام. ولما بلغ «هولاكو» خبر الهزيمة وإبادة جيشه أصيب بصدمة حزن عنيفة هزت كيانه، فحاول أن يمحو هذا العار وعزم على إرسال جيش ثان إلى الشام للثأر إلا أن الموت عاجله، وهكذا قُضي على خطر المغول بصورته الدموية ودخل بقيتهم بعد ذلك في الإسلام. قال تعالى: {وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ}. لقد كان المشروع المغولي آخر المشاريع الكبرى المدمرة التي واجهت الأمة الإسلامية في تلك المرحلة، وابتداء من المقالة القادمة سيأتي الكلام في حلقات عن المشروع الإسلامي السني، وكيف استطاع بفضل الله التغلب على هذه المشاريع المعادية مع استخلاص الدروس والعبر المناسبة لمواجهة التحديات المعاصرة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

استثمار في العباقرة

12 يونيو 2014

صانع الفرق

29 مايو 2014

صانع الملوك

15 مايو 2014

للنجاح معنى آخر

24 أبريل 2014

إدارة القلق

10 أبريل 2014