السبت 14 شعبان / 20 أبريل 2019
07:45 م بتوقيت الدوحة

البلد المجهول!

د. سعيد حارب

الإثنين، 02 ديسمبر 2013
البلد المجهول!
البلد المجهول!
أشرت في مقال الأسبوع الماضي إلى أيام مجلس التعاون في السويد، ذلك البلد المجهول لكثير من سكان المنطقة رغم التواصل المبكر بين العرب والبلاد الإسكندنافية ومن بينها السويد التي وصلها الرحالة السفير ابن فضلان عام 321هـ أي عام 921م، وسجل مدوناته في رحلته الشهيرة فيما عُرفت بـ «رحلة ابن فضلان»، وقد اهتم الباحثون والمؤسسات المختصة بهذه الرسالة باعتبارها أول وصف مكتوب للحياة عن تلك المناطق يكتبه باحث «آخر» يختلف عن أهلها عرقا ودينا وثقافة، فقد اشتغل الباحث ج.ل. رازموسين سنة 1814م على مخطوط حول رسالة ابن فضلان وجد في كوبنهاجن، ثم اكتُشفت قطعة من المخطوط في روسيا سنة 1817م، ونشرت بالألمانية في أكاديمية سان بيترسبورج سنة 1823م، وفي عام 1878 تم العثور على مخطوطين جديدين من الرسالة ضمن كتب خلفها السير جان إيمرسون السفير البريطاني بالقسطنطينية بعد وفاته، لكن أقدم النصوص يرجع تاريخه التقريبي إلى 1585م وهو مكتوب باللاتينية ومترجم رأساً من الأصل العربي لابن فضلان، وفي سنة 1934م عثر على نص مترجم إلى لاتينية العصر الوسيط في دير كسيموس قرب تسالونيكا شمال شرق اليونان. ويتضمن تعليقات إضافية على المخطوطة، وقد كان لرسالة ابن فضلان أثر في الثقافة الغربية، فقد تُرجمت لعدة لغات منها اللاتينية، الألمانية، الفرنسية، الدانمركية، السويدية والإنجليزية كما أن رواية «أكلة الأموات» لمايكل كرايتن مستمدة من رحلة ابن فضلان كما يقول النقاد، وقد تم تحويلها إلى فيلم باسم المحارب الثالث عشر (The 13th Warrior)، وقد انقطع التواصل بين السويد والعالم العربي بصورة عامة، ولا تشير الوثائق إلا إلى بعض المراسلات والبعثات العربية في العصور المتأخرة، ومع نشوء الدول الحديثة اقتصر التواصل على العلاقات السياسية رغم أن كثيرا من الدول العربية ليس لها سفارات في ستوكهولم وكذلك السويد، وإذا كان هذا شأن العلاقات السياسية فإن العلاقات الثقافية ليس أكثر تواصلا رغم حضور السويد في شخصياتها العامة مثل «نوبل» صاحب الجائزة المشهورة، فمعظم العرب يعرفون مخترع الديناميت ومؤسس الجائزة التي تحمل اسمه، كما أن بعضهم يعرف أن العالم السويدي أندرس سيلسيوس « Anders Celsius» هو مخترع مقياس درجة الحرارة المئوية الذي سمي على اسمه، ولعل المتخصصين منهم يعرفون كارل لينيوس « Carl Linnaeus» عالم النبات السويدي الذي يعتبر رائد علم التصنيف الحديث، صاحب كتاب «النظام الطبيعي Systema Naturae» الذي وضع فيه أسس التصنيف العلمي الحديث، فهو أول من وضع نظام التسمية الثنائية «اسم الجنس واسم النوع»، لكن كثيرا من العرب بحاجة لمعرفة العلماء والأدباء والروائيين السويديين مثل «أوجست ستريندبرجAugust Strindberg» الروائي والمسرحي صاحب «المذهب الطبيعي» في المسرح، وصاحب الروايات المشهورة مثل «الأب» و «الآنسة جوليا» وثلاثية «الطريق إلى دمشق The Road to Damascus»، كما أن الأديبة السويدية «سِلمى لاجرلوف Selma Lagerl?f» أول امرأة تحصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1909م، وصاحبة روايات «ملحمة جوستا برلنج» و«من ضيعة سويدية» و«القدس» التي تم تحويلها إلى فيلم عالمي، هذه الكاتبة المتميزة لا يعرف القارئ العربي إلا القليل عنها وعن روايتها وإبداعها باعتبارها تمثل صورة للأدب السويدي، ومثل ذلك يقال عن الشاعر السويدي «فرنر فون هايدنستام» الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1916م والشاعر «هاري مارتنسون» الحاصل على جائزة نوبل في الآداب عام 1974، كما يحتاج العربي أن يعرف إبداعات الرسامين والفنانين السويديين أمثال توبياس سيرجل وكارل ميلز وكارل لارسون وأندرس سورن وغيرهم من الفنانين الذين أثروا الحركة الفنية العالمية، والسويد اليوم من أكثر دول العالم رفاهية، فالتعليم والخدمات الصحية المجانية تقدم بأعلى المستويات للسويديين والمقيمين على أرض السويد التي تقف على رأي قائمة الدول الأكثر اهتماما بالإنسان، فهناك تشريعات تعطي الإنسان حقوقه وتحترمها وتحافظ عليها، ولعل كثيرين لا يعرفون أن هذه الدولة «المرفهة» لم تصل إلى هذا الرفاه إلا بعد معانة وعمل، فقد عاش السويديون في فقر مدقع خلال القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين حتى هاجر بسبب الفقر ما يقرب من مليون سويدي معظمهم إلى الولايات المتحدة الأميركية، وذلك خلال الفترة ما بين 1850 و1910م، ولنا أن نتصور حجم تأثير ذلك إذا علمنا أن عدد سكان السويد حاليا تسعة ملايين فقط!!، ومع ذلك استطاع السويديون أن يعيدوا بناء وطنهم ليصبح بلد المخترعات، فالسويد من أكثر دول العالم اختراعا قياسا على عدد السكان، والسويديون رغم طبيعتهم «المغلقة» حتى يقال إن السويدي يمكن أن يمر يومه دون أن يكلم أحدا، إلا أنهم شعب ودود يرحب بالقادمين إليه، متسامح وغير عنصري خلافا لما عليه بعض الشعوب الأوروبية، والحرية عند السويديين شيء مقدس مثلها مثل القانون، وهم يعيشون سلاما داخليا قبل أن يعيشوه مع الخارج، لذا فليس غريبا أن يحتفلوا في العام القادم بمرور مئتي سنة من تاريخهم من دون حروب!!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا