الإثنين 16 شعبان / 22 أبريل 2019
11:01 ص بتوقيت الدوحة

العراق إلى أين؟

د. سعيد حارب

الإثنين، 11 نوفمبر 2013
العراق إلى أين؟
العراق إلى أين؟
في بداية التسعينيات «سرّبت» الصحافة الأميركية وثيقة تشير إلى خطة أميركية لتقسيم بعض دول الشرق الأوسط، ويومها لم تحظَ تلك الوثيقة باهتمام كبير، فقد نظر إليها البعض على أنها جزء من نظرية المؤامرة التي يرددها البعض، كما وصفها آخرون بأنها مبالغات صحافية للإثارة، وعندما كان «جو بايدن» نائب الرئيس الأميركي أوباما عضواً في الكونجرس تقدم باقتراح لتقسيم العراق إلى ثلاث دول على أسس عرقية ومذهبية، وإذا كانت النية الأميركية لتقسيم العراق ليست جديدة، فإن الأحداث التي تمت على أرض الواقع منذ الاحتلال الأميركي للعراق تشير إلى أن هناك اتجاهاً إلى تقسيم العراق واقعياً على الأرض وإن لم يأخذ الصورة الرسمية، فقد تدافع الساسة والكتل الطائفية لتقسيم العراق منذ أول يوم للاحتلال وما تلى انسحاب القوات الأميركية، فعلى المستوى السياسي تمت المحاصة على أسس طائفية وأنشئت مؤسسات الدولة على أساس التقسيم الطائفي، وتمّ توزيع المناصب على ذات الأسس، وجاء الدستور ليتوّج ذلك حيث قسم العراق إلى ثلاثة أقاليم، بل وصل الأمر إلى أن لكل إقليم جيشاً خاصاً به، فالأكراد لديهم «البشمركة» التي تملك مقومات الجيش من أسلحة خفيفة وثقيلة، والشيعة لديهم جيش «لواء بدر» الذي تدرّب في إيران لأكثر من عقدين من الزمن وتمّ إعداده إعداداً جيداً ثم انصهر ضمن القوات والشرطة العراقية ليصبح القوة الرئيسية فيه إلى جانب جيش المهدي التابع للتيار الصدري، والسّنّة يمكنهم -بعد قيام كيانهم- أن يجمعوا مقاومتهم في جيش واحد باستثناء مقاتلي القاعدة الذين لهم أجندتهم الخاصة، كما أن عملية الفرز الطائفي توشك أن تنجز، فقد تمّ تهجير السكان وإعادة توزيعهم وفقاً لطائفتهم، ومن لا يقبل ذلك يصبح من «الجثث مجهولة الهوية» وتمّ الفصل بين الطوائف في بعض المدن، فماذا بقي من تقسيم العراق الذي يهرول له الجميع ولا يقف أمامه سوى فئة قليلة ممن يهمها العراق الموحّد قبل أن تهمها مصالحها الذاتية، وقد شهدت السنوات الماضية تصريحات عن تقسيم العراق وقد لقيت ترحيباً من بعض القيادات العراقية، فطارق الهاشمي الذي كان نائباً لرئيس الجمهورية والذي كان ممثلا لـ «الطائفة السنية» في تركيبة الرئاسة يصرّح بأن التقسيم «لابد منه» إذا لم تتم المصالحة الوطنية، ولا يعلم أحد كيف ستتم هذه المصالحة رغم كل المحاولات الفاشلة في ذلك بعد أن أصبح هو أحد ضحايا الصراع لأن الساسة العراقيين لا يريدون المصالحة التي ستفوت عليهم ما هم فيه من مكاسب!! أما إقليم كردستان العراق فلم يبقَ من انفصاله عن جسم الدولة العراقية سوى الانضمام إلى الأمم المتحدة، فكل مقومات الدول المستقلة متوفرة لديه بدءاً من علم الدولة ونظامها ورئاستها وحكومتها وشعبها وأرضها وممثليات البعثات الدبلوماسية، فماذا بقي عن الاستقلال؟ أما الشيعة في الجنوب فإنهم أكثر إصراراً على ما سمي بـ «الفيدرالية» التي تعطي صلاحيات واسعة للأقاليم ولا تبقي للسلطة المركزية سوى صلاحيات محدودة، ورغم تصريحات رئيس الوزراء العراقي نوري المالكي من أن قرار التقسيم يعتبر كارثة على المنطقة فإن ذلك لا يمنع رغبة شركائه في الائتلاف «الشيعي» في وجود كيان خاص بهم جنوب العراق، لذا فإن العراق يبدو متجهاً للتقسيم أو التمزق تحقيقاً للواقع القائم وتنفيذاً لسياسة أميركية تقوم على تفتيت المنطقة إلى كيانات صغيرة لا تملك مقومات الدول حتى تبقى إسرائيل هي القوة الضاربة في المنطقة والتي لا يهددها أي كيان آخر، إن مسألة تقسيم العراق ليست شأناً عراقياً داخلياً كما يصوّره بعض الساسة العراقيون وليست أمنيات لدى بعض القادة الأميركيين بل هو اتجاه عام لدى كثير من القوى السياسية العراقية وبعض دول الجوار، إن تقسيم العراق سيدخل المنطقة في دوامة من الصراعات لن تنتهي عند حدود العراق وحده بل ستمتد إلى كافة الدول، ففي الشمال لن تقبل تركيا بقيام الكيان الكردي لأن ذلك سيفتح شهية 12 مليون كردي في تركيا لتحقيق حلم الدولة الكردية، ومعنى هذا أن الأميركيين قرروا منازلة تركيا في خاصرتها الجنوبية لإشغالها عن أي طموح يحقق لها أهدافها في التمدد شرقاً نحو الدول الناطقة بالتركية، والتي خرجت من عباءة الاتحاد السوفيتي السابق لتكون قوة إقليمية، أما الكيان الجنوبي فسيكون امتداداً للمصالح الإيرانية في المنطقة، ورغم أن موقف الشيعة من ذلك ليس موحّداً، فهناك تيارات شيعية وطنية حريصة على وحدة واستقلال العراق شعباً وأرضاً، لكن الناظر إلى القيادات السياسية الشيعية التي تدير الشأن العراقي يجد أنها قريبة من إيران مما يجعل التخوف من التبعية لإيران أمراً وارداً، كما أن قيام هذا الإقليم سيحرّك الدول «السنية» المجاورة لرفضه والدخول في «حرب باردة» معه من خلال دعم الكيان «السني» في الوسط والذي سيكون نصيبه من الحياة ضعيفاً إذ سيولد ميتاً فهو لا يملك مقومات الدولة، خاصة الثروة النفطية، ولذا سيكون أداة في يد دول المنطقة لتحريكه ضد الكيانات الأخرى، ومن هنا فإن وحدة العراق ليست مطلباً وطنياً عراقياً فقط بل هي مطلب عربي وخليجي بصفة خاصة، فدول الخليج العربي أول من سيكتوي بنار التقسيم في العراق، كما أن الدول العربية المجاورة للعراق ستدخل في دوامة من الصراعات الداخلية أو مع الكيانات العراقية، فهل لنا أن نتصور حجم الكارثة التي سيخلفها هذا التقسيم؟
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا