السبت 20 رمضان / 25 مايو 2019
10:02 ص بتوقيت الدوحة

تغييب الوعي

د. سعيد حارب

الإثنين، 04 نوفمبر 2013
تغييب الوعي
تغييب الوعي
كنت أظن أن غيبة الوعي أو تغييبه حكرا على الشعوب الشرقية التي تؤمن بالخرافات والمعتقدات الغيبية التي لا علاقة لها في كثير من الأحيان بالدين أو بالغيبيات الدينية وإنما هي من صنع خيال الإنسان، لكن يبدو أن التقدم العلمي وشيوع الفكر العقلاني لم يمنع حتى أصحاب الأفكار غير الدينية كأصحاب الفكر المادي من الإيمان ببعض الخزعبلات والخرافات، ولا أدل على ذلك مما تناقلته وسائل الإعلام من إعلان الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، أن وجه الرئيس الراحل هوجو شافيز ظهر لعدد من العمال في نفق مترو في كراكاس، وأن هناك صورة تثبت ذلك، وقال مادورو في اجتماع عام في كراكاس، مشيراً إلى صورة بيده: «انظروا إلى هذا الشكل، إنه وجه، لقد التقطها العمال، من ترون في هذه الصورة؟ العمال هنا وهذه الصورة ظهرت لهم على الحائط ثم اختفت، إنها صورة شافيز، شافيز في كل مكان». وفي أبريل الماضي، وأثناء الحملة الانتخابية الرئاسية لاختيار خلف لشافيز المتوفى في الخامس من مارس الماضي، قال مادورو إن شافيز ظهر له متجسداً بعصفور. وفي يونيو الماضي، قال الرئيس إن شافيز ظهر له في الجبال المحيطة بالعاصمة «ونحن نعلم أن الرئيس الفنزويلي هو اشتراكي أي إن الدين ليس حاضرا في فكره عدا عن الغيبيات التي يؤمن بها بعض الناس مثل ظهور صورة العذراء، لكن ذلك لم يمنعه من الاعتقاد بظهور شافيز!! أما في كوريا الشمالية فإن الزعيم المؤسس «كيم إيل سونج» لا يغيب عن شعبه!! فكثير منه يراه يتجول في الأماكن العامة وربما قدم النصائح والإرشادات للناس رغم أن معظم الكوريين الشماليين لا يؤمنون بدين!! أما حضوره الزعيم «كيل» الدائم فإن صوره في كل مكان فهو مع شعبه من الباب إلى الباب، أي لا تغيب صوره عن أي جدار!، وإذا كان الغرب أو الشرق لم يسلم من تغييب الوعي فإن عالمنا العربي والإسلامي يتم تغييب الوعي فيه تارة باسم الدين وتارة باسم الزعامة السياسية، لكن الأخطر منها ما كان باسم الدين ولا أدل على ذلك من ما يقدمه بعض الخطباء والوعاظ للعامة من الناس ليكسبوا ولاءهم أو ارتباطهم بهم، ولا تسلم من ذلك طائفة أو مذهب أو جماعة أو شعب، وإذا كنا نعتقد أن التعليم أو التقدم العلمي أو استخدام التكنولوجيا سيحد من تغييب الوعي فإن الواقع يشير إلى غير ذلك، فمن يتابع وسائل التواصل الاجتماعي يجد فيها كما هائلا مما يقدمه هؤلاء الوعاظ والخطباء من قصص وروايات ومواقف لا علاقة لها بالواقع أو العقل، ومما يؤسف له أنها تقدم على أنها «دين»!!، فبين فترة وأخرى يصلني على مواقع التواصل الاجتماعي بعض الصور أو المقالات أو المشاهد المصورة التي يقدمها أصحابها للدلالة على خطأ الآخرين وفساد عقيدتهم، خاصة في الحرب المستعرة بين السنة والشيعة التي أصبحت التكنولوجيا إحدى وسائلها المهمة، وبحكم علاقتي مع كافة الطوائف والمذاهب فإن ما يصلني يمكن أن يشكل نموذجا مصغرا لـ «تغييب الوعي»، فقد وصلني مشاهد مصورة لجماعة تزعم أنها مسلمة يقوم أتباعها بحركات تشبه بعض الأجهزة الكهربائية كالمراوح وغيرها، كما يقوم أتباعها بلمس «الشيخ» ثم يقومون بحركات كمن مسته الكهرباء!! حتى أطلق البعض عليهم «الجماعة الكهربائية» وغيرها من المشاهد التي لا علاقة لها بدين أو عقل أو فكر، ومقطع آخر لشيخ يحدث أتباعه عن أحد الأئمة الكرام، إذ يروي أن الإمام كان جالسا مع أتباعه ويأتيه الناس من مختلف الأجناس واللغات فيحدث كل قوم بلغتهم فتعجب منه جلساؤه وسأله أحدهم: يا سيدي.. كيف استطعت أن تعرف هذه اللغات، فتناول الإمام حصاة ومضغها ثم أعطاها للسائل فمضغها لفترة وجيزة ثم رماها، فأصبح يتحدث سبعين لغة!!، لست معنيا إذا كان البعض يستخدم مثل هذه الروايات في الحرب الطائفية، لكن ما يهمني هو تأثير مثل هذه القصص والروايات على الأجيال من الشباب وغيرهم في تغييب الوعي، كما أن مثل هذه المواقف لا يمكن معالجتها بالسخرية والاستهزاء بالآخرين بل بالحوار والمناقشة، فمثل هاتين الروايتين -وغيرهما كثير- لا بد من التساؤل أمامها: هل هذا من الدين أم من العقل، فإذا كان من الدين فلا بد من دليل عليه، أي دليل من الكتاب والسنة، فلم يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم فعل مثل تلك الحركات، كما أنه لم يتقن إلا لغة العرب، وحين كانت تأتيه وفود القادة برسائلهم كان يستعين بمترجم يهودي ثم أمر عبدالله بن رواحة فتعلم اللغة السريانية حتى يقرأ له الرسائل التي تأتيه، وكان يكفيه أن يمضغ حصاة ويعطيها له ليتقن سبعين لغة، فهل كان هذا الإمام -مع مكانته- خيرا وأفضل من النبي صلى الله عليه وسلم، أم إن ما يرويه هؤلاء الوعاظ هو كذب على الإمام؟ فإذا لم يكن الأمر دينيا فهل له علاقة بالعقل، أترك الإجابة للقارئ. إن خطورة هذا الأمر أنه يعطل عند الإنسان حاسة النقد والتفكير، علما بأن الدين جاء لإعمال العقل لا لتعطيله أو تغييبه، فمن أكثر الكلمات ترددا في القرآن الكريم هي «أفلا يعقلون»، «أفلا يتدبرون»، «أفلا ينظرون»، وغيرها من الآيات، فلماذا يعمد بعض الوعاظ والخطباء إلى أن ينشروا بين أتباعهم ما يخالف العقل بل ما يخالف الدين، يبدو أنهم لو فعلوا ذلك لانفض الأتباع من حولهم.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا