الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
10:04 ص بتوقيت الدوحة

إننا عازمون على ألا يعاني أي بلد من فساد حكوماته

إننا عازمون على ألا يعاني أي بلد من فساد حكوماته
إننا عازمون على ألا يعاني أي بلد من فساد حكوماته
عانت الكثير من دول الربيع العربي من عقود من الفساد المستشري وسوء استغلال مواردها. فقد سرق أعضاء حكوماتها السابقة مليارات الدولارات من مواردها، وجرى تهريب غالبيتها خفية إلى خارج تلك الدول لتستثمر في أسواق مال عالمية كبيرة ولشراء عقارات في أنحاء العالم. وبينما أن مبالغ كبيرة من الأموال المنهوبة طارت خارج تلك الدول مع سقوط أنظمتها، فإن الكم الأكبر منها كان قد شُفِط للخارج على مدى زمن أطول. وبعد انطلاق الربيع العربي كان لابد من اتباع نهج جديدة لاسترداد الأموال. ففي العام الماضي عقد المنتدى العربي لاسترداد الأموال أول اجتماع له في الدوحة، حيث اجتمعت دول الربيع العربي ودول مجموعة الثمانية وغيرها من الدول الأساسية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا لإجراء محادثات جماعية لأول مرة بشأن استرداد هذه الأموال. إن ضبط الأرصدة كالعقارات والمبالغ النقدية والسيارات وإثبات أن الحصول عليها كان عبر الفساد هو أمر صعب جداً من الناحية الفنية والسياسية على حد سواء. وكان المنتدى العربي من عدة نواحي بمثابة صحوة للمجتمع الدولي، وملأ حاجة لا جدل حولها لجمع كافة المعنيين للحديث عن الصعوبات التي يواجهها المعنيون على كلا الجانبين. والآن، وبعد مرور عام منذ اجتماع الدوحة، أترأس الوفد البريطاني لحضور الاجتماع الثاني للمنتدى العربي لاسترداد الأموال المنعقد في مراكش. حيث نتدارس على مدى ثلاثة أيام التعقيدات التي نواجهها في تحديد وإعادة عائدات الفساد الدولي. فاسترداد الأموال دولياً بالاستعانة بطلبات التماس المساعدة من حكومة لحكومة عملية معقدة وتنطوي على الكثير من الإجراءات القضائية، لكن لهذه الإجراءات أسباب جيدة تستدعيها. حيث إن احترام سيادة القانون يتطلب وجود قضية قانونية قوية ومستوفية الجوانب قبل مصادرة أموال أحد، لكن لابد وأن يعنينا أيضا موضوع تحقيق التوازن. وبينما أنه من الضروري إدراك التحديات التي نواجهها، من المناسب أيضا أن ننظر بما تم إحرازه من تقدم. المملكة المتحدة جادة بشأن إعادة الأموال لدول الربيع العربي، وبهذا الصدد أجرت مراجعة شاملة لسياستها وتشريعاتها لمعرفة سبل تحسين جهودنا المبذولة في سياق العمليات العالمية لإعادة الأموال. وفي العام الماضي شكل رئيس وزرائنا، ديفيد كاميرون، فريق عمل معني باسترداد الأموال يضم 10 محققين مكرسين بالكامل ومدعي عام من القاهرة للعمل تجاه استرداد الأموال التي نهبت من دول الربيع العربي. ويعمل المحققون البريطانيون الآن إلى جانب نظرائهم في المنطقة لإحراز تقدم في قضايا استرداد الأموال، وبموازاة ذلك فتحنا تحقيقات محلية بشأن غسل الأموال تتعلق بأشخاص لديهم ممتلكات كبيرة في المملكة المتحدة. من الطبيعي أنه من الأفضل الحؤول دون نهب الأموال أصلاً من الدول. والمملكة المتحدة تدعم عدداً من البرامج الدولية التي تهدف لبناء مؤسسات قوية وشفافة في منطقة الشرق الأوسط وغيرها. وفي الكثير من الحالات يشتمل ذلك على إصلاح أنظمة الإدارة المالية، وتطوير أو دعم أجهزة التدقيق المحلية وهيئات مكافحة الفساد، لكي يسهل اكتشاف أي خلل في حسابات الدولة. ومثل هذه البرامج تحقق فوائد جمة للدول المعنية. ففي أوغندا، على سبيل المثال، استطاع أحد هذه البرامج كشف مبالغ تدفع لأكثر من 9000 موظف حكومي لا وجود لهم، ما وفر على خزينة الدولة ما يفوق 6 ملايين جنيه إسترليني سنوياً. لكن من الواضح أن دول الربيع العربي ليست هي فقط المتضررة نتيجة هذا الفساد الكبير، فالفساد موجود في كل من القارات. وقد وضعت المملكة المتحدة خلال رئاستنا لمجموعة الثمانية في العام الحالي مبدأ الشفافية في صميم جهودنا. فقد اتفق قادة مجموعة الثمانية خلال اجتماع القمة في شهر يونيو على تطبيق الشفافية على ملكية الشركات. ينطوي ذلك الاتفاق على ضرورة الطلب من كل شركة الحصول على والاحتفاظ بمعلومات حول المالك الحقيقي المنتفع من الشركة، وتوفير هذه المعلومات لأجهزة تنفيذ القانون. ففي الوقت الحالي يمكن تأسيس شركات وهمية في ولايات قضائية بمختلف أنحاء العالم، ويمكن إيداع مبالغ مالية كبيرة في هذه الشركات، بينما السلطات لا علم لها بالمنتفع الحقيقي من عوائد الشركات. ومن المعروف أن ذلك يشجع على الفساد في أنحاء العالم. ومن شأن اتخاذ خطوات كالتي أقرتها مجموعة الثمانية تقليل سبل إخفاء عائدات الجريمة والفساد. رغم كل جهودنا المشتركة التي نبذلها، ندرك بأن الطريق أمامنا لا يمكن أن يكون سهلاً دائماً. فهو يتطلب تفانياً وجهوداً مضنية تبذل على مدى سنوات، وليس مجرد شهور. وسيكون طريقنا هذا مليئا بالإحباطات. وقد يميل البعض لإلقاء اللائمة على عدم وجود إرادة سياسية. لكنني أطمئنكم بأن ذلك ليس هو الحال، على الأقل فيما يتعلق بحكومتي. لكن إن لم نفعل شيئاً، فإننا بكل بساطة نشجع الساسة والمسؤولين -اليوم ومستقبلاً- على الاعتقاد بأن باستطاعتهم هم أيضا إثراء أنفسهم على حساب شعوبهم. ونحن عازمون على ألا يعاني أي بلد بسبب فساد حكوماته السابقة. واجتماعنا في المغرب إنما يدل على أن لكل بلد دوراً يؤديه في مكافحة الفساد واسترداد الأموال المنهوبة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.