الجمعة 13 شعبان / 19 أبريل 2019
07:56 م بتوقيت الدوحة

الثقافة.. قنطرة العلاقات الدولية

د. سعيد حارب

الإثنين، 28 أكتوبر 2013
الثقافة.. قنطرة العلاقات الدولية
الثقافة.. قنطرة العلاقات الدولية
تشكل الثقافة مرتكزا مهما في العلاقة بين الشعوب والدول، فهي القنطرة الواصلة بين معطياتهم الإنسانية ومصالحهم المشتركة، كما أنها البوابة التي يتم من خلالها الولوج إلى ميدان العلاقات الواسع، إن التجارب الإنسانية أثرْت العلاقات بين الشعوب وأضافت إليها عبر العصور معرفة تراكمت مع اتساع التجارب البشرية وتطورها، ولم تكن تلك التجارب الإنسانية إلا أبنية ثقافية قامت عليها العلاقات الدولية، ولذا فإن الاهتمام بالدور الثقافي في العلاقات الدولية يمثل الأُسس الذي بُنيت عليه مكونات هذه العلاقة فقد أصبح للثقافة تأثير واضح في تشكيل السلوك الدولي، فهناك ترابط كبير بين الأنماط الثقافية للشعوب وعلاقتها بالآخر، وإذا كان للإمكانات المادية، اقتصادية كانت أم عسكرية تأثير في صياغة العلاقات الدولية، فإن للثقافة تأثير يتزايد مع تزايد التقدم العلمي والتكنولوجي في العصر الحاضر، فقد ساعدت الوسائل الحديثة وخاصة وسائل التواصل الاجتماعي في ربط العالم برباط واحد من خلال وسائل الاتصال بمختلف صورها وأشكالها، وصار العالم يكتشف أجزاءه يوما بعد يوم بصورة أكبر مما كان عليه قبل سنوات قريبة، وأصبح التواصل الثقافي جزءا من السلوك الإنساني وزاد التفاعل الثقافي على المستوى الفردي والشعبي، فكل إنسان يعيش على سطح الأرض يحمل في مكنونه الثقافي شيئا من الآخر، كما ازداد ذلك على مستوى العلاقات بين الدول، فأصبحت الثقافة تصوغ السلوك الدولي في كثير من جوانبه، كما أن للثقافة دورا واضحا في إنهاء الصراعات أو بدئها، فمن خلال الثقافة يمكن للشعوب والدول أن تتعرف على اتجاهات ورؤى الطرف الآخر، كما يمكن معالجة الصراعات والخلافات الناجمة عن سوء المعرفة بالآخر أو عن عدم فهم مكنونه الثقافي، لقد شهد العالم كثيرا من الصراعات بسبب اختلاف المصالح والثقافات، والعالم اليوم يتحدث عن العولمة كما يتحدث عن صراع الحضارات باعتبارهما مفهومين جديدين في العلاقات الدولية، والواقع أن كلا المفهومين إنما هما مفهومان ثقافيان قبل أن يتحولا إلى سلوك دولي، ما يشير إلى أن الثقافة هي «الصائغ» لمفاهيم العلاقات الدولية، ولذا فإن الواقع المتشابك والمعقد والمتداخل للعلاقات الدولية المعاصرة يشير إلى أهمية الثقافة ودورها في هذه العلاقات حتى يمكن تفكيك نقاط التشابك والتقاطع حفظا للسلام الدولي ومنعا للصراعات وهنا يبرز دور الدول والشعوب المحبة للسلام والحريصة على قيام علاقات بينها على أسس الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة. إن التواصل الثقافي بين الدول والشعوب يمهد لتكوين علاقات إيجابية بينهم، ويعزز التعارف بين البشر، ففي عالم اليوم أصبح التعارف بين الدول والشعوب من أبرز ما تسعى له كافة برامج العلاقات الدولية بل العلاقات الفردية، خاصة إذا كان التواصل يسعى إلى تحقيق أهداف مشتركة أو يزيل خلافاً فكرياً أو سوء فهم بين الطرفين، فإن التعارف يكون هو الباب الذي يمكن أن يدخل منه كل طرف، وهو الوشيجة التي تربط بين الناس بكل اختلافاتهم، والتعارف يقتضي الاعتراف بالآخر وبثقافته والتواصل معها؛ إذ إن رفض الآخر أو تجاهله أو الاستعلاء عليه يجعل التواصل غير متكافئ بين الطرفين أو يجعله من طرف واحد، والتواصل الثقافي يقتضي القبول بما يملك الطرف الآخر من ثقافة، خاصة أنه يكون في الغالب متعلقاً بقضايا إنسانية يمكن الاتفاق عليها. كما أن التواصل الثقافي يساعد على إزالة الصور السلبية عن الثقافات الأخرى التي قد تكون في مخيلة الشعوب تأثرا بالموروث التاريخي السلبي، أو بسبب الخلافات والصراعات السياسية، أو بأسباب التفرقة الأخرى والتي تؤدي إلى نشوء حالة من الحذر والتوجس أو الرفض لثقافة الآخر وتشكل عائقا أمام العلاقات الجيدة بين الدول والشعوب؛ لذا فإن التواصل الثقافي يعمل على تصحيح تلك الصور السلبية ويساعد على إقامة العلاقات بين الشعوب. كما يحقق التواصل الثقافي نشر ثقافة السلام وإشاعتها بين البشر فالحاجة إلى السلام بمفهومه الشامل، بدءاً من سلام الإنسان مع نفسه ثم مع المحيط الصغير من حوله، امتداداً إلى المجتمع وانتهاءً بالسلام مع الآخرين شعوباً ودولاً -هذا السلام- لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال وجود ثقافة تدعو للسلام وتعمل له، وثقافات العالم بمختلف صورها وأماكنها تحمل مضامين تدعو للسلام، ولذا فإن التواصل الثقافي لنشر ثقافة السلام يؤدي إلى مواجهة حالات العنف، فأسباب العنف الفردي والأسري والجماعي الإقليمي والدولي ترجع في مجملها إلى غياب ثقافة السلام أو تراجع دورها، فالبديل عن ثقافة السلام هو ثقافة العنف سواء كان العنف مادياً أو معنوياً ولقد جاء في ميثاق منظمة اليونسكو عبارة تقول: «الحروب تبدأ في أذهان الناس» ولذا فإن السلام كذلك يبدأ من أذهان الناس وذلك من خلال تواصلهم الثقافي والاستفادة مما عند الآخرين من قيم السلام. كما أن الأديان والثقافات يمكن أن تشكل وسيلة لإحلال السلام والتعايش بين البشر رغم استخدام البعض لها في تأجيج الصراعات والنزاعات المسلحة، لقد كانت الثقافة مستبعدة إلى عهد قريب من رسم العلاقات الدولية لكنها أصبحت اليوم جزءا مما يصوغ هذه العلاقة.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا