السبت 20 رمضان / 25 مايو 2019
10:04 ص بتوقيت الدوحة

حدود التعريف عن «الثورة ضد الثورة والشارع ضد الشعب والثورة المضادة»

محمد الخليفي

الثلاثاء، 22 أكتوبر 2013
حدود التعريف عن «الثورة ضد الثورة والشارع ضد الشعب والثورة المضادة»
حدود التعريف عن «الثورة ضد الثورة والشارع ضد الشعب والثورة المضادة»
لقد أثار ما يجري في مصر نقاشاً وحواراً مستمراً، وكان موضوعاً للعديد من المقالات والدراسات والبرامج التلفزيونية. منها برنامج «في العمق» في قناة الجزيرة الذي أفرد لذلك حلقات عدة، ومنها حلقته المعنونة بـ «الثورة والثورة المضادة والديمقراطية»، وضيفها عزمي بشارة مدير المركز العربي للسياسات والأبحاث. وهي في الواقع عرض لورقة كتبها عزمي بشارة عنوانها «الثورة ضد الثورة والشارع ضد الشعب، والثورة المضادة». وسوف أنظر في هذا المقال في مدى دقة وجدوى (المسطرة) التي اعتمدها عزمي بشارة (في ورقته) في الحكم على الأحداث التي ناقشها. يحدد بشارة الموضوع الذي يريد أن يناقشه في التالي: «لقد غابت أمور جوهرية عن النقاش المتعلق بتسمية الأحداث الواقعة بين 30 يونيو و3 يوليو 2013 التي تجمعها في حدث واحد رغم أنف الكثير من المشاركين في 30 يونيو الذين لا يؤيدون ما جرى في 3 يوليو، فبعضهم يعتقد أن 30 يونيو شهد خروج حركة شعبية، في حين وقع انقلاب عسكري في 3 يوليو. لكن يدور نقاش سوفسطائي بشأن هذين الحدثين الاثنين: أهما يشكلان ثورة أم انقلاباً؟ ونقول سوفسطائي لأن المقصود ليس حل إشكال علمي مصطلحي...» «الثورة والانقلاب.. مصطلحان. ويقال «مصطلح» لأنه يصطلح عليه؛ أي يتفق عليه في تسمية الظواهر والأشياء. وغاب عن النقاش العمومي بمجمله كل ما اصطلح عليه حتى الآن». فمصطلح «انقلاب» يعني قلب السلطة، ولا يعني قلب نظام الحكم، بمعنى انقلاب أوساط من النظام على أوساط أخرى من النظام نفسه، بوسائل غير دستورية... وغالباً ما يكون الهدف من الانقلاب هو الوصول إلى الحكم، وليس تغيير النظام. ومن الطبيعي أن يكون الانقلاب عسكرياً.. أما الثورة [فهي] فعل شعبي خارج الدستور لتغيير نظام الحكم». ولزيادة الوضوح، أو ربما لأن هناك من يرفع شعار الشرعية، فإن عزمي بشارة أضاف، إلى مصطلحي الثورة والانقلاب، تمييزاً بين (شرعية الشعب) في الحالة الثورية، و(شرعية الشعب) في النظام الديمقراطي، فقال: «تقوم شرعية الشعب في الحالة الثورية مقام الدستور... [ويكون لها] القول الفصل»، أما في النظام الديمقراطي فتقوم شرعية الشعب «على مبادئ دستورية متفق عليها، أو بناء على دستور مكتوب متفق عليه».. و «تتخذ شرعية الشعب [في الحالة الثورية]... شكل الخروج [إلى] الشارع، إلى الفضاء العام، للتظاهر والاعتصام... وتتخذ شرعية الشعب في الدولة الديمقراطية شكل انتخابات دورية». في الحالة الثورية، «حين لا تكون الانتخابات ممكنة»، تتطابق (شرعية الشعب) مع (شرعية الشارع). أما في النظام الديمقراطي، وعندما تطرح «شرعية الشارع» بديلاً أو «ضد الانتخابات» فإنها تعني أن «شرعية الشارع» ضد «شرعية الشعب». «ومن هنا فإن أي محاولة لطرح العمل الجماهيري في النظام الديمقراطي شرعية بديلة من الشرعية الدستورية هي فعل شعبوي وليس بفعل شعبي. وحتى حين يكون هذا الفعل شرعياً، فإن هذا لا يعني أنه بديل عن الشرعية». تلك هي المسطرة التي اعتمدها عزمي بشارة للحكم على ما جرى في 30 يونيو و3 يوليو 2013، وعلى أساسها قرر بأن ما حدث في 3 يوليو 2013 هو «انقلاب عسكري في دولة يمكن فيها تغيير الحاكم الفاشل بانتخابات ناجحة». ويضيف: «أما أن يُصر على جعل 30 يونيو ثورة انضم الجيش إليها، أو كما يقال عادة: «انحاز الجيش إلى مطالبها العادلة»، فهذا يعني أنها ثورة مضادة، لأنه إن كانت ثورة بمساندة بقايا نظام الحكم القديم وأجهزة الدولة المعادية للثورة فإنها تكون ثورة مضادة، أي ثورة تهدف إلى إزالة نتائج ثورة 25 يناير، وإعادة الامتيازات لمركبات النظام القديم وشخوصه وعناصره». لقد اعتمد عزمي بشارة على (التعريف) ليبين طبيعة الحدث الذي يناقشه، وهو يعلم أن تعريف ظواهر الاجتماع، مع أهميتها كعمل تصنيفي، ليس مثل تعريف ظواهر الطبيعة. كذلك فإن الوقوف عند حدث بعينه، من بين أحداث متصلة ومتغيرة ومتداخلة، ووضعه تحت مسطرة التعريف، هو توقف خاطئ وقاصر. فمثلاً لماذا لم يقف عزمي بشارة عند الإعلان الدستوري الصادر في 22 نوفمبر 2012، فهذا الإعلان بحسب المستشار طارق البشري «انقلاب على الشرعية الدستورية..»، وهو «يعني أن الرئيس يقوم بثورة جديدة على الثورة، والحالة الوحيدة التي يمكن فيها قبول ما حدث أن يقال لنا إنه قد حدث انقلاب على السلطة من داخلها، وإذا أيدت سلطات الدولة هذا الإجراء يكون انقلاباً كاملاً». نقول ذلك حجاجاً، لأنه إذا كانت «القوى الديمقراطية هي التي تصحح مسار الثورة... وهي التي سوف تدافع عن الديمقراطية الوليدة التي تكاثر عليها أعداء الحرية والقوى الرجعية المعادية للديمقراطية في مصر والإقليم»، كما عبر بشارة بحق، فإن هذا يقتضي تحليلاً وعرضاً مختلفاً عن ذلك الذي قدمه عزمي بشارة وأضاع بعض تفاصيله في ورقته ليثبت أن ما حدث في 3 يوليو هو انقلاب وثورة مضادة. وإذا قبلنا بأن ما حدث في 3 يوليو انقلاب (قلب السلطة)، فهل معنى ذلك أن (نظام الحكم الحالي) هو نفسه نظام الحكم السابق (بدون رئيس الجمهورية والحكومة)!! بناءً على التعريف الاصطلاحي، أم أنه لا يقع ضمن الحالة الغالبة في الانقلابات، وهي الوصول إلى الحكم؟ فـ (غالباً) كانت في حاجة أن يوضحها لنا عزمي بشارة إن كان انقلاب 3 يوليو هو للوصول إلى الحكم أم لتغيير النظام! أما الثقة في القول: «ومن الطبيعي أن يكون الانقلاب عسكرياً»، هي ثقة على غير أساس، وينقضها أحداث وصول إلى الحكم بانقلاب من داخل القصر. علاوة على ذلك، فإن (انقلاب 3 يوليو) لم يأت بحكومة عسكرية مثل «انقلاب الضباط عام 1952»، أو غيرها من الانقلابات التي عرفتها الدول العربية. أما فيما يتعلق بموضوع الشرعية، فإن عزمي بشارة يؤكد على أن مرسي «لم يحظ بأغلبية شرعية في مصر يوم 30 يونيو وفي الأسابيع التي سبقته»، لكنه يستدرك فيقول: «ولكن بدل التعبير عن ذلك بتغييره في انتخابات، وقع انقلاب عسكري...». ويقول في موقع آخر إن «حركة 30 يونيو.. حركة احتجاجية واسعة وشرعية.. وهي شرعية بديلة افتراضية، لأنها مطلب من حركة جماهيرية واسعة، لكنها بالنظر إلى أنها شرعية بديلة، لا تتحقق إلا بالانتخابات»، وأن «تقديم موعد الانتخابات مطلب شرعي عيني واضح»، والسؤال الذي يمكن أن يثار: من الذي حال دون تقديم موعد الانتخابات؟ يجيبنا عزمي بشارة: «إن هناك سبلاً قانونية لتقديم موعد الانتخابات». ولو سألنا عن هذه السبل القانونية، فلن نجد جواباً في النص. أما الحديث عن شرعية الشعب وشرعية الشارع وربطها بالحالة الثورية أو النظام الديمقراطي، والانتقال من ذلك إلى اعتبار أن النظام السياسي قبل 3 يوليو كان نظاماً ديمقراطياً وليس نظاماً في حالة ثورية أو في مرحلة انتقالية، هو قول يجانب الصواب وبكلام عزمي بشارة نفسه! يقول عزمي بشارة: نحن أمام دولة ما زالت تتصارع فيها قيم الثقافة الديمقراطية والأصولية الدينية، وثقافتا الخنوع والكرامة الإنسانية، وثقافتا الحريات وقمع الحريات، وغيرها. نحن أمام دولة لم تتضح فيها وكالة اجتماعية قوية لصيرورة التحول الديمقراطي بعد، وما زال عمودها الفقري تنظيم الجيش. أما أحزابها فلا تحمل تياراتها الأساسية ثقافة ديمقراطية، حتى يحكم أي منها وحده حكماً ديمقراطياً، ومع ذلك لا يمكنها أن تتفق على تعددية يوازن فيها كل منها الآخر ويضع له حدوداً، كي يستعاض بالضبط والرقابة المتبادلين (وليس الإقصاء) عن الثقافة الديمقراطية التي تضمن الضبط الذاتي. وأخيراً نحن إزاء دولة لم يقبل جيشها الوطني بعد بدوره في حماية الديمقراطية، وما زال يريد أن يملي إرادته في ما يتعلق بنظام الحكم في الدول، إن لم يحكم مباشرة». نقتبس ولا نعلق!! ليس هذا فحسب، بل إن «الرئيس محمد مرسي -بحسب عزمي بشارة- تولى إدارة دولة لا يديرها فعلاً، فجهازها لا يتعاون معه، بل يقاومه. وأقصد هنا جهازها التنفيذي المسمى بالدولة العميقة، وجهازها القضائي، وجهازها الأمني»!! فهل نحن هنا إزاء دولة ديمقراطية، ليجوز لنا المقابلة بين «شرعية الشارع» و»شرعية الشعب»؟ هل توجد دولة ديمقراطية مثل هذه الدولة؟! ولا يقف الأمر عند الدولة التي أدارها الإخوان، بل الإخوان أنفسهم ليسوا ديمقراطيين كما أكد بشارة. فكيف يجوز الحديث عن نظام ديمقراطي لدولة غير ديمقراطية ويقودها جماعة غير ديمقراطية! السؤال الصحيح ليس بحثاً في الماهية (ماهية ما حدث: ثورة أم انقلاب) بل في السببية (سبب ما حدث: لماذا وصلنا إلى هذا الحال؟)، لأن الأول لا ينتج عنه سوى تحديد مواقف (مع أو ضد)، أما الثاني فينتج عنه تعلم الدرس وتصحيح المسار. وهذا ما يجب أن تفعله «القوى الديمقراطية».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.