الخميس 15 ذو القعدة / 18 يوليه 2019
12:45 م بتوقيت الدوحة

طفشان!!

د. سعيد حارب

الإثنين، 21 أكتوبر 2013
طفشان!!
طفشان!!
إحدى شركات الاتصالات الخليجية ابتكرت طريقة لتسويق منتجاتها، إذ وضعت شاشة في مراكز الخدمة في مكاتبها، ويقوم الزبون بتسجيل اسمه ومعلوماته عليها، ثم يتم سؤاله إن كان «طفشان» وتعني باللهجة الخليجية «متضايق»، ومن يوافقه الحظ يفوز بجائزة وهي عبارة عن دعوة عشاء له ولثلاثة من زملائه الذين يختارهم، وإلى هنا والأمر طبيعي، لكن المفاجأة أن العشاء يكون في دولة ومدينة أخرى، حيث يتم اصطحاب الفائز وزملائه لركوب الطائرة والتوجه إلى مدينة دبي لتناول العشاء ثم مشاهدة أحد الأفلام السينمائية والعودة في نفس الليلة! وقد عرضت الشركة تجربة لثلاثة من الشباب الذين شاركوا في الرحلة، ورغم أن الشركات لا تعدم وسائل لترويج منتجاتها، إلا أن هذه الطريقة كانت مبتكرة وذات دلالة اجتماعية في منطقة الخليج العربي، فهي تشير إلى أن التواصل بين أهل المنطقة وصل إلى درجة تناول عشاء في مدينة أخرى، وهي ظاهرة لم تكن موجودة منذ سنوات حيث كان التنقل بين مدينة وأخرى من مدن الخليج يحتاج إلى استعداد وتجهيزات كثيرة ليس أولها حجز تذاكر السفر وانتهاءً بتوديع العائلة والأصدقاء!! أما اليوم فقد أصبح هذا التواصل في متناول الجميع، خاصة مع وجود شركات طيران منخفضة التكلفة شجعت أصحاب الدخل المتوسط على السفر والتنقل بين مدن المنطقة، وخلال عيد الأضحى الماضي شهدت دبي ومدن الإمارات الأخرى حضورا خليجيا كبيرا، إذ ازدحمت الفنادق ومراكز التسوق والشواطئ والمتنزهات وغيرها من أماكن الإجازات بالقادمين من مختلف المدن الخليجية، حتى كتب أحد الإماراتيين على موقع تويتر «ملاطفا» الجميع: «أرجو من الإخوة الإماراتيين عدم التوجه إلى مراكز التسوق والمتنزهات، وإعطاء الفرصة لأشقائنا الخليجيين حتى يستمتعوا بإجازتهم، ولنا بقية السنة!». ويبدو أن ظاهرة التنقل بين مدن الخليج أصبحت شائعة بين مواطنيه، فما تجده في أبوظبي أو دبي ربما تجد مثله في مسقط أو الدوحة أو الكويت أو المنامة أو الرياض، بل ربما تجد الزائر يعرف في المدن الأخرى أماكن لا يعرفها المقيم، وقد وفرت هذه المدن بيئة لأبناء المنطقة والمقيمين لقضاء الإجازات بما يناسب ظروفهم الاجتماعية ويكلفهم مشكلات كثيرة ربما يواجهونها إذا رحلوا إلى بعض الدول، كما أن هذه الظاهرة تناسب الإجازات القصيرة، إذ إن تكلفتها أقل من السفر إلى دول أو مدن بعيدة، حيث تتوفر معظم احتياجات الزائرين خاصة العائلات منهم كتنوع المتطلبات والاختيارات والأمن الذي يشعر به الجميع دون مضايقة أو إزعاج من أحد، إضافة إلى التواصل الاجتماعي مع أهل البلد أو المدن التي يزورونها، فمعظم أبناء الخليج تربطهم علاقات اجتماعية عائلية أو قبلية أو زمالات عمل مهني أو تجاري مما يجعل من الزيارات ذات أهداف عدة يستطيع أن يحققها الزائر، فقد أصبحت هذه المنطقة وحدة اجتماعية مترابطة رغم بعض «الهنات» التي يحاول البعض أن يستغلها ليزرع الشقاق بين أبنائها. إن كثيرا من مواطني المنطقة لو راجعوا قائمة الأسماء في هواتفهم لوجدوا أن فيها أرقاما كثيرة لأقارب أو أصدقاء في مدن خليجية أخرى، ومع أن أكثر من ثلاثين عاما من التعاون الخليجي لم تحقق الكثير على المستوى الرسمي، لكنها استطاعت أن تبث شعورا بين أبناء المنطقة بأنهم شعب واحد، همومه واحدة ومشكلاته واحدة وتحدياته واحدة، وقد أثبتت التجارب القريبة أن أي دولة من دول مجلس التعاون الخليجي إنما هي جزء من منظومة متكاملة اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا، وأن العالم ينظر إليها كوحدة واحدة، ولذا فمن المتصور أن تعمل هذه المنظومة كوحدة واحدة كذلك، أما على المستوى الداخلي فقد تجاوز أبناء المنطقة «الخطوات» الرسمية إلى الواقع العملي، ولعل مما ساعد على ذلك انتشار ظاهرة الزواج بين أبناء المنطقة، فرغم أن هذه الظاهرة ما زالت محدودة وتقيدها بعض الإجراءات الرسمية، إلا أنها في ازدياد وتحتاج إلى تشجيع ودعم رسمي لأنها ستنشئ جيلا يرتبط بالمنطقة ارتباطا وثيقا حين يكون والد أحدهم من بلد خليجي وأمه من بلد آخر، وربما كان جده أو عمه أو خاله من بلد ثالث مما يُنشئ شعورا بين هذا الجيل أنه جيل تمتد جذوره إلى دول المنطقة كلها. ولعل التجربة الاجتماعية في دولة الإمارات خير دليل على ذلك، فمنذ نشأة الاتحاد توسعت العلاقات الاجتماعية بين مواطني الإمارات من خلال الزواج من إمارة أخرى، ومع مرور الوقت نشأ جيل يشعر بانتمائه للدولة الواحدة أكثر مما يشعر بانتمائه لإمارته، ومع أن هذه التجربة داخل كيان سياسي واحد، إلا أنها قابلة للتطبيق على المستوى الخليجي، فليس أقوى من الروابط الاجتماعية بين الناس لصهرهم في بوتقة واحدة، لكن هناك بعض العوائق القانونية والإجرائية في بعض دول مجلس التعاون تحول دون تحقيق ذلك. ولعل من الوسائل الأخرى للترابط بين أبناء المنطقة هو فتح باب التعليم بين الجامعات الخليجية بمعايير قبول موحدة أو متقاربة، بحيث يمكن للطالب في أي دولة أن يلتحق بجامعة في دولة خليجية أخرى على أن تتحمل دولته تكاليف تعليمه. إن هذا الأمر سيدفع الجامعات للتنافس لرفع مستواها التعليمي لجذب العناصر المتميزة من الطلاب الخليجيين، كما أنه من خلال هذا التواجد سيتمكن الطلاب من التعارف وإقامة علاقات اجتماعية بينهم تستمر معهم في مستقبل حياتهم. إن كثيرا ممن درسوا في الخارج والتقوا بزملاء لهم من دول أخرى ما زالوا على تواصل معهم رغم مرور سنوات طويلة على ذلك، كما أن فتح المنطقة كوحدة تجارية واحدة يستطيع أي خليجي أن يمارس التجارة في أي دولة يشاء سيعزز من هذا الترابط. قد تبدو هذه الأفكار نوعا من الأحلام، لكنها أحلام قابلة للتطبيق، فقبل سنوات لم يكن أحد «يحلم» أن يتناول وجبة العشاء في دولة أخرى ويعود في نفس الليلة.. وقتها لن يكون أحدٌ «طفشان»!!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا