الثلاثاء 18 ذو الحجة / 20 أغسطس 2019
06:18 ص بتوقيت الدوحة

ما خفي عن «الجارديان»!!

محمد حجي

الأحد، 06 أكتوبر 2013
ما خفي عن «الجارديان»!!
ما خفي عن «الجارديان»!!
الآن وقد انجلت الضغوط التي مورست من خلال حملة منظمة ضد قطر طوال الأسبوعين الماضيين بتأكيد اللجنة التنفيذية للفيفا الصريح على استمرار قطر باستضافة مونديال 2022، والتشديد على أن الأمر لن يزيد على مواصلة التشاور حول موعد انعقاد المونديال شتاء أم صيفاً. فقد حان وقت استعراض ما ظهر وما خفي من الحملة، واستيعاب الدروس لكي نستفيد حتى ممَن كان يريد بنا ضرراً. هذه الحملة التي شُنت ضد قطر طوال الأيام الماضية مستبقة انعقاد اجتماعات اللجنة التنفيذية للفيفا بهدف الضغط عليها نحو تغيير مكان استضافة المونديال، حملت عدة دروس يجب علينا جميعاً الوقوف عندها ومراجعة النفس في الكيفية التي اعتمدناها لمواجهة مثل هذه الحملات، وما هي الأخطاء التي ارتكبناها والجوانب السلبية في ذلك، والطرق الممكنة لمعالجة مثل هذه الأمور مستقبلاً؟ فهذا واجب وطني يتحمله الجميع، فالكلمة التي تمس الوطن تمسنا جميعاً، ونجاح مثل هذه الحملات في النيل من قطر يعد فشلاً لنا جميعاً. ومن أشد تلك الحملات وأقساها على الوطن، التي قادتها صحيفة الجارديان البريطانية والتي تضمنت أكاذيب عن وضع العمالة النيبالية في قطر، والادعاء زيفاً بأن في دولة قطر ممارسات للسخرة والعبودية في العمل، إلى درجة أن شركات تمنع مياه الشرب عن العمال تحت الحرارة القاسية، وأن هناك قتلى سيصل عددهم مع إنجاز مشاريع المونديال إلى ما يقارب 4 آلاف عامل! كما ادعت هذه الصحيفة أن دولة قطر تقترف انتهاكات جسيمة في حق العمالة الأجنبية الوافدة، وأن عشرات العمال ماتوا خلال الأسابيع الماضية بسبب إجبارهم على القيام بأعمال شاقة. فضلاً عن زعم الصحيفة المذكورة بأن لديها أدلة كثيرة تثبت استخدام عمالة بالإكراه في مشروعات بنية تحتية استعداداً لاستضافة كأس العالم 2022. ويبدو واضحاً أن ما نشرته صحيفة الجارديان قد تم تناوله بشكل مدروس من جهات أجنبية وعربية شقيقة!! بطريقة توضح مدى الترتيب والإعداد المسبق من قبل هذه الجهات لشن حملة ضد قطر، بهدف إفشال استضافتها لكأس العالم.. فعندما تدعي هذه الصحيفة أن هذه العمالة تتعرض إلى ما تتعرض له -حسب ما ذكرت- بسبب مشروعات كأس العالم، نجد بالمقابل وببساطة شديدة أن مشروعات استضافة المونديال لم تبدأ بعد!! إنه لأسف شديد أن تسقط صحيفة مثل الجارديان -وهي من تمثل المدرسة البريطانية في الإعلام وفي المهنية والاحترافية- في مثل هذا «المطب الهائل». والمحزن في الوقت ذاته أن ترافق وسائل إعلام عربية شقيقة هذه الحملة متجنية على قطر، ومروجة لعدم قدرتها على استضافة المونديال. فمن يتمعن في تقرير «الجارديان» تتكشف له جوانب القصور في إعداد هذا التقرير، وأن هناك الكثير قد خفي عنها في تناول وضع العمالة في دولة قطر، فلم تستطع أن تنقل الصورة بكل جوانبها. حتى لا نقول إنها تعمدت التهويل والمبالغة لغرض في نفس يعقوب، من حسن الطالع أنه لم يتحقق، وقد وضع له جوزيف بلاتر حداً، ونرجو أن يكون الجميع قد فهم ذلك. وحتى أكون أكثر واقعية وموضوعية في ما قررت أن أكتبه حول هذا الموضوع، تحاورت مطولاً وبعمق مع أحد الأصدقاء المسؤولين عن أحد أهم وأكبر المشاريع الإنشائية في قطر، فلفت انتباهي إلى عناصر أراها شديدة الأهمية قد تكون صحيفة الجارديان تعمدت إهمالها. وفي حقيقة الأمر فقد فاجأني هذا الصديق بهدوء الأعصاب والثقة بالنفس، وهو يشرح لي حقيقة ما يجري بالتفصيل داخل المشاريع الكبرى في قطر، والضوابط التي تحكم عمل الشركات التي تقوم بتنفيذ المشاريع الضخمة... يقول صديقنا المهندس إن الشركات الكبرى لا يمكن أن تتهاون في تنفيذ الضوابط التي تضعها الدولة لحفظ حقوق العمال، فهي لا تستطيع أن تغامر بسمعتها المهنية، وتخسر هذا الحجم الكبير من العمل لتوفر في مصروفاتها، حسب ما ذكرته صحيفة الجارديان، ويؤكد أن هذه الشركات تقوم بتوفير 3 وجبات في اليوم للعمال، مع توفير فرق خاصة لتوزيع مياه الشرب في أماكن العمل. وفي أغلب الأحيان تلتزم هذه الشركات بألا يزيد عدد العمال في مقارّ الإقامات على 6 أشخاص في غرفة النوم الواحدة، كما يوضح أن الدولة وضعت شروطاً صارمة في جانب الأمن والسلامة، باعتبار أن جميع العمال ملزمون بارتداء ملابس خاصة تحميهم من الحرارة والإصابات. ويضيف صديقنا المهندس أن هذا ما توفره الشركات الكبرى للعمال، ولكن إذا حاولنا أن ننظر للقضية من جوانبها المختلفة فإننا نجد أموراً قد أغفلتها «الجارديان» بطريقة فيها شيء من التعمد، وأهم هذه الأمور مسألة تأهيل هذه العمالة حتى تكون مناسبة لبيئة العمل بأقل نسبة من الإصابات والأخطاء، فنجد أن عدداً من هؤلاء العمال يأتون من بيئات مختلفة لا تتوفر فيها في بعض الأحيان شروط الحياة الإنسانية البسيطة. فنقوم بتأهيلهم في كيفية استخدام «دورات المياه والنوم على السرير مثلاً، وارتداء ملابس الأمن والسلامة»، فهؤلاء العمال بقدر ما يقومون به من عمال شاق بقدر ما يستفيدون من الخبرة التي يكتسبونها من خلال عملهم في قطر بحكم الشروط التي تلتزم بها الشركات الكبرى. ويمضي صديقي في الشرح قائلاً إن البيئة التي توفرها الشركات للعمالة تساهم في إعادة صياغتهم بالكامل، وهذا الأمر يحتاج إلى فترة قد تصل إلى الشهرين، الأمر الذي يجعل دولة قطر لاحقاً مصدراً مهماً للعمالة الماهرة نحو دول أخرى تستقطبهم بعد أن يكونوا قد تخصصوا على أرض الدولة، وبفعل التجربة المهمة مع التكوين الذي يحصّلونه على مدى سنوات من العمل معنا.. ثم يكتفي صديقي بسؤال رشيق أوجهه بدوري إلى صحافي «الجارديان»: إذا كانت هناك أطراف تدعي أن وضع العمالة في قطر سيئ فكيف يفسرون بقاء الكثير من هؤلاء العمال أكثر من عشر سنوات في قطر؟ الجواب حتماً: لا بد أنهم يعملون في بيئة مناسبة تحافظ على كرامتهم وعلى إنسانيتهم، بل وتثري تجاربهم المهنية. في حقيقة الأمر حديثي مع هذا الصديق وضع النقاط على الحروف بالنسبة لي لفهم ما يحدث داخل أماكن إنجاز المشاريع، فبعد أن كانت الصورة مبهمة وغير واضحة استطاع هذا المهندس أن يلخص وضع العمالة في قطر، وأن يزيد من حيرتي، فلماذا هذه الحملة الشرسة التي تشن ضد قطر من الصديق والشقيق؟! إذا كان وضع العمالة بهذه الصورة التي رسمها صديقنا المهندس (وهو ليس قطرياً)، وإذا كان موضوع العمالة مجرد ذريعة لمحاولة تغيير وجهة كأس العالم 2022، فإذاً ما هو السبب الحقيقي وراء كل هذا الهجوم؟ إذا اتفقنا أن موضوع حقوق العمال استخدمته «الجارديان» للضغط على قطر قبيل اجتماع اللجنة التنفيذية للفيفا في زيورخ، بهدف تحقيق مكاسب، وهذه المكاسب بكل تأكيد لن تخدم الصحيفة ذاتها، وإنما الأطراف التي تدفع بهذه الصحيفة للقيام بمثل هذه الحملة، فهذا يبين أن هناك مصالح سياسية أو اقتصادية تريد أن تحققها هذه الأطراف من وراء حملتها سواء في «الجارديان» أو غيرها من وسائل الإعلام الأجنبية والعربية. وما يزيد في يقيني من أن هذه الحملات بها الكثير من الابتزاز السياسي أو الاقتصادي هو السؤال الآتي: هل كان من الممكن أن تشن مثل هذه الحملة لو كانت الدولة المستضيفة للمونديال الولايات المتحدة الأميركية أو بريطانيا مثلاً؟ ولماذا لا تتناول هذه الصحف ما يحدث في البرازيل الآن وهي ستستضيف كأس العالم العام المقبل؟ فالبرازيل لديها مشاكل كبيرة في موضع الأمن وإنجاز مشاريع الملاعب بسبب الوضع الاقتصادي، والجواب ببساطة أن هؤلاء يعلمون أنهم إذا شنوا حملة ضد هذه الدولة فلن يحققوا مكاسب مادية بسبب وضعها الاقتصادي السيئ. نحن إذن أمام ابتزاز واضح وصريح، يجب علينا جميعاً أن نتصدى له بكل الوسائل الممكنة دفاعاً عن استحقاقنا تنظيم مونديال 2022، وهذا ليس واجباً على القطريين فقط، بل على كل عربي «مخلص»، فقطر عندما نالت شرف تنظيم بطولة كأس العالم قبل 3 سنوات أهدت هذا الفوز لكل العرب، وأكدت أنه فوز وشرف يشمل كل العرب. والآن، لا بد أن نتوقع أن هذا الابتزاز الذي قامت به صحيفة الجارديان لم يكن الأول ولن يكون الأخير، فالجميع يعلم أن مثل هذه القضايا تطرح في مواسم معينة لتحقيق مكاسب سياسية أو اقتصادية.. فبحسب المواسم تتحرك هذه الصحف في شن حملاتها المغرضة وغير المعقولة في التجني على قطر، وإذا كان ابتزاز هذه الصحف لن يتوقف، يجب علينا أن نواجهه بشتى الطرق المشروعة سواء عبر الإعلام أو القانون. وإذا حاولت هذه الحملات الإعلامية النيل من قدرة أول دولة عربية على تنظيم كأس العالم، فإنها بالمقابل تضع مصداقية الفيفا على المحك، فكيف سيستطيع السيد سيب بلاتر رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم الحفاظ على سمعة الفيفا من خلال تصريحاته غير الحاسمة للأمور في بعض الأحيان؟ وشخصياً لا أفهم سبب تأجيل حسم الجدل حول موضوع تنظيم هذه التظاهرة العالمية صيفاً أو شتاء، وكأنه يقول للمبتزين لديكم فرص أخرى لممارسة الابتزاز حتى العام 2014! لا شك أن السيد بلاتر يعلم أن الفيفا اتحاد ذو تاريخ كبير من الإنجازات وما يحدث الآن من استغلال يقلل من مصداقية هذا الهيكل الرياضي الدولي، كيف لا وهناك بطولات تم تنظيمها تحت درجات وصلت إلى الـ 40 مثل الولايات المتحدة، والبطولة القادمة في البرازيل حيث لن تكون درجة الحرارة مثل ما يتصوره البعض. وفي هذا الصدد لا بد من التنويه إلى بيان المرصد العربي لحقوق العمال الذي حمل الكثير من الحقائق في تفنيد مزاعم صحيفة الجارديان، فهذا المرصد العريق في متابعة أوضاع حقوق العمال في العالم العربي قدم وجهة نظر محايدة تصب في مصلحة العمالة في الدول العربية، وأكد أن الحملات التي تشن ضد قطر في موضوع حقوق العمال تدعمها أجندات سياسية تحاول تشويه صورة دولة قطر، والتشكيك في ما توفره من وضع إنساني وتشريعات تحمي حقوق هؤلاء العمال، وبالتوازي مع صدور هذا المقال يبدأ وفد من الكونفدرالية الدولية للعمال في جنيف زيارة مهمة لقطر للاطلاع والتحقق من وضع العمال. وهذا الاهتمام العربي والدولي في موضوع العمالة يتطلب منا مراجعة النفس ووضع السلبيات على الطاولة بكل شفافية لتقديم مصلحة الوطن على الجميع، فعندما نشاهد أن الشركات الكبرى تلتزم بشكل كبير في الحفاظ على حقوق العمال، وأنها تراعي ذلك لجوانب إنسانية ومهنية، نجد في المقابل أن هناك خللاً في عمل بعض الشركات الصغيرة التي تقوم بتنفيذ مشاريع محدودة، وهذا لا يمكن معالجته دون تكثيف حملات التفتيش الميدانية وزيادة عدد المفتشين، والذي يبلغ في الوقت الحالي 150 مفتشاً. ولا شك أن السيد وزير العمل قد انتبه لذلك، وهو يعلن قبل أيام قراره بمضاعفة عدد المفتشين لمزيد من تضييق الحصار على المخالفين. وفي نهاية المطاف، وحتى نستطيع في المستقبل مواجهة مثل هذه الحملات الإعلامية المغرضة، فإن الأمر يتطلب مراجعة النفس والجلوس لمناقشة السلبيات، وأين تقع نقاط الضعف للتصدي، فهي كما ذكرنا لن تتوقف طالما واصلنا نجاحاتنا وإنجازاتنا الرياضية والاقتصادية والسياسية والاجتماعية، وقد لا نستطيع في جميع الظروف أن نطبق القول المأثور «القافلة تسير والكلاب تنبح» بسبب وجود استحقاقات يتطلبها المجتمع الدولي. ولا يسعني في الختام إلا أن أدعو الله أن يكفي قطر شر الحسد من الجميع.. لكن أيضاً الله يكفينا شر حسد بعض الإخوة العرب!! اللهم آمين. ودمتم سالمين.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.