الأحد 22 محرم / 22 سبتمبر 2019
08:29 م بتوقيت الدوحة

خطاب أوباما نموذج صارخ للازدواجية

خطاب أوباما نموذج صارخ للازدواجية
خطاب أوباما نموذج صارخ للازدواجية
في بدايات الثورة المصرية دعمت هيلاري كلينتون نظام مبارك في مواجهة نذر التغيير الشعبي بقولها إن نظامه مستقر، ثم ما لبثت واشنطن أن غيرت موقفها لتساير الثورة وتطلب من مبارك التنحي، منتهجة سياسة ركوب موجة التغيير لتفجيرها من الداخل وإفشال الديمقراطية في المنطقة ومشاريع النهضة والبرامج الإسلامية والتي قد تتعارض مع المصالح الأميركية القائمة على الهيمنة والتعامل الفوقي وامتصاص ثروات الشعوب والاستحواذ عليها. وإذا كان موقف واشنطن من ثورة سوريا والتطورات المصرية والتي عصفت بالخيار الشعبي وارتدت بمصر نحو استبداد دموي فاسد غامض بعض الشيء ويقوم على تصريحات ومواقف متناقضة، فإن خطاب أوباما في الأمم المتحدة كان واضحا وفاقعا في نفاقه وانعدام الأخلاق المبدئية في السياسة الأميركية. في خطابه قال أوباما: «محمد مرسي انتخب بشكل ديمقراطي، لكنه أثبت عدم قدرته على الحكم لكل أطياف الشعب، والحكومة المؤقتة التي حلت محله استجابت لرغبات ملايين المصريين المعتقدين بأن الثورة ذهبت باتجاه خاطئ، ولكنها أيضاً اتخذت قرارات لا تتماشى مع الديمقراطية مثل قانون الطوارئ وتقييد حرية الصحافة، وفي الحقيقة أن الولايات المتحدة تجنبت عن عمد عدم الوقوف مع أي جانب». هنا كرر أوباما طرح الانقلابيين وإن حاول أن يغلفه بانتقادات ناعمة مكررا خطاب إعلام الفلول المصري وداعما الانقلاب الدموي بتكرار حجته المضحكة بالاستجابة لرغبات ملايين المصريين. أوباما أوضح موقفه من تطورات مصر بشكل لا لبس فيه ولا غموض بقوله: «سنبقي علاقة بناءة مع الحكومة الانتقالية التي تدعم مصالحنا الأساسية مثل اتفاق كامب ديفيد ومكافحة الإرهاب». وأوضح أن «الولايات المتحدة ستعمل أحيانا مع حكومات لا تتماشى مع التوقعات الدولية العالية، ولكن ستعمل معنا من أجل مصالحنا الأساسية، ولكن لن نكف عن الحديث عن المبادئ التي تتماشى مع قيمنا». هنا يعلن أوباما دعمه للدكتاتوريات والتي ترعى مصالح بلاده وإن كان سيبقى مرددا عبارات جوفاء عن القيم والمبادئ. وفي الحديث عن إيران تحدث أوباما عن عزلتها والولايات المتحدة، مؤكداً رغبته في إنهاء تلك المرحلة، شارحا أسباب عدم ثقة طهران بواشنطن تاريخيا لتدخلها بشؤون إيران الداخلية، ودور بلاده في الانقلاب على حكومة مصدق خلال الحرب الباردة. ولكنه قال إن «الأميركيين من جهتهم يرون حكومة إيرانية أعلنت الولايات المتحدة عدوا وقامت -أو من خلال عملاء- باختطاف الأميركيين وقتل الجنود والمدنيين الأميركيين، وهددت حليفتنا إسرائيل»، كما أرسل أوباما رسائل إيجابية تجاه الإيرانيين دون أن يفصل دورهم الدموي والإجرامي في سوريا، أكثر من ذلك قال في موضع آخر حول سوريا «على روسيا وإيران التيقن بأن الإصرار على حكم الأسد سيؤدي مباشرة إلى النتيجة التي يخشونها: زيادة المساحة لنشاط المتطرفين»، وهنا يظهر أوباما متحدثا عما يبدو مخاوف إيرانية مشروعة في سوريا، وفي الأمر تزييف للحقائق وتزوير للوقائع. أوباما أشار في خطابه إلى أن «التقلبات الكبيرة في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا أظهرت الانقسامات العميقة داخل المجتمعات، بينما يقلع نظام قديم والشعوب تتساءل عما سيأتي لاحقا»، لافتا إلى أن «الحركات السلمية تلاقي ردا عنيفا، من الذين يقاومون التغيير ومن المتطرفين الذين يريدون سرقة التغيير». وأضاف: «النزاعات الطائفية عادت من جديد، وانتشار محتمل لأسلحة الدمار الشامل يلقي بظلاله على السعي وراء السلام»، معتبر أن «سوريا تشهد أقوى تصادم لهذه التطورات». هنا يقترف أوباما تزويرا متعمدا، فالحركات السلمية في مصر والتغيير تم سرقته من عسكر أميركا والذين تتعامل معهم واشنطن ما داموا محافظين على مصالحها. أما النزاعات الطائفية فقد فجرتها أميركا في المنطقة باحتلالها العراق واللعب على الوتر الطائفي، كما أشار لذلك بوضوح بول بريمر في كتابه «عامي في العراق». في الحديث عن سوريا قال أوباما «الوضع في سوريا يعكس تناقضا موجودا في المنطقة منذ عقود: الولايات المتحدة تواجه الانتقادات للتدخل في المنطقة.. وفي الوقت نفسه الولايات المتحدة تلام بعدم التدخل بشكل كاف لحل مشكلات المنطقة»، هنا يلجأ أوباما مجددا للي الحقائق وتزويرها، فالجميع يعلم أن واشنطن تمنع منذ فترة بعيدة دول عربية وتركيا من تمرير أسلحة نوعية للثوار قادرة على تغيير التوازن العسكري والحد من مجازر النظام. وفي الحديث عن قضية فلسطين شدد أوباما على أن بلاده لن «تساوم على أمن إسرائيل أو دعمنا لوجودها كدولة يهودية». التشديد على يهودية إسرائيل يرفع مخاوف من عمليات تطهير عرقية لسكان فلسطين التاريخيين من عرب ومسلمين. وهو أمر يقابله أيضا في موضع آخر من الخطاب حول سوريا قوله: «وأن التوصل إلى حل سياسي غير ممكن من دون معالجة المخاوف الشرعية للعلويين وغيرهم من أقليات»، تأمل كيف يتعامل أوباما مع الأقليات بحسب تقسيماته في سوريا وكيف يتعامل معها في العراق والدولة العبرية. ورغم تظاهره بالحيرة من موقف من ينتقد تدخل واشنطن في المنطقة ثم يطالب بتدخلها في مواضع أخرى قال أوباما: «الولايات المتحدة الأميركية مستعدة لاستخدام كل قواها، بما فيها القوة العسكرية لضمان مصالحها الأساسية في المنطقة، سنرد على أي تحرك عدواني ضد حلفائنا وشركائنا مثلما فعلنا في حرب الخليج». بشكل واضح، واشنطن مستعدة لتدمير الأخضر واليابس والتحالف مع الأنظمة الدكتاتورية وتأييد انقلاب العسكر على الديمقراطية إن لم نقل تحريضهم لحماية ما تراه مصالحها بالمنطقة في حين تكتفي بدعم الديمقراطية وحقوق الإنسان بتصريحات للاستهلاك الإعلامي وللتغطية على المشاهد الإجرامية والتي تؤيدها أو ربما تصنعها وراء الكواليس.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.