الأحد 23 ذو الحجة / 25 أغسطس 2019
02:19 م بتوقيت الدوحة

في ضلال المؤسسات الاجتماعية!

في ضلال المؤسسات الاجتماعية!
في ضلال المؤسسات الاجتماعية!
عندما وضع المجلس الأعلى للأسرة سياسته واستراتيجيته كان لزاماً عليه العمل على تكوين مؤسسات المجتمع التي تترجم هذه السياسة إلى واقع ملموس ينهض بالمجتمع القطري وبثقافته الاجتماعية. لذلك تكونت الكثير من المؤسسات وفق احتياجات ومتطلبات المجتمع، ومنها مركز التأهيل الاجتماعي (العوين)، مركز الشفلح للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، المؤسسة القطرية لحماية الطفل والمرأة، دار الإنماء الاجتماعي، مركز الاستشارات العائلية، المؤسسة القطرية لرعاية الأيتام (دريمة)، المؤسسة القطرية لمكافحة الاتجار بالبشر، المؤسسة القطرية لرعاية المسنين (إحسان). لكن للأسف رغم سنوات عمرها وما تكلفته من موازنات ضخمة، الكثير منها لم يكن بقدر المسؤولية، وبعضها انحرف، والبعض الآخر وجوده والعدم واحد، وقليل من شق طريقه في تأدية عمله تجاه المجتمع. «العوين» مركز التأهيل الاجتماعي (العوين) تأسس سنة 2007 وعمره لم يتجاوز 6 سنوات، ورؤيته وفق ما يعلنه على موقعه: نسعى لنكون الجهة الوطنية الرائدة في مجال التأهيل الاجتماعي، وذلك من خلال البرامج المتخصصة، والخدمات التأهيلية، والشراكات الاستراتيجية التي تساهم في حماية المجتمع، وتعزيز قدرات أفراده، وتأهيل الفئات المستهدفة، ليكونوا فاعلين في تنمية المجتمع وخدمته. ورغم ضبابية الرؤية والتشخيص، وحتى اللحظة للأسف لم يستطع هذا المركز أن يُعرّف المجتمع به وبطبيعة عمله، ولعل المتابع لهذا المركز يجد أنه بدأ بالكثير من المشاكل لعل أعجبها تضارب الاختصاصات مع الجهات الأخرى، وتنازع هذه الاختصاصات جعل العاملين فيه في الانتظار لحين التأكد منه، واستمر ذلك لسنوات، تارة يقول إنه يعالج المدمنين، ثم اعترضت وزارة الصحة، وتارة يقول إنه يعالج الحالات النفسية ليعترض مستشفى الأمراض النفسية، ناهيك عن المشاكل الإدارية التي صاحبتها عدة سنوات من الخلافات الداخلية! مع التأكيد على أنه في الآونة الأخيرة بدأ المركز يستقر إدارياً، وينشط عملياً، ولكن حتى اللحظة لا يعرفه المجتمع -كما يفترض- ولم تنعكس جهوده على المجتمع، بمعنى (العوين) في حاجة لمن يعينه! مركز الشفلح تم إنشاء هذا المركز للأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك في عام 1998، وللأسف وبعد خمسة عشر عاماً، وبدلاً من الحديث عن تحولات كبيرة في تحقق رؤيته وانعكاسها على هذه الفئة من المجتمع، وتحقيق درجات عالية من النجاح مع أطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، وفق أفضل الوسائل التعليمية، بدلاً من كل ذلك نكتشف أن من تم استهدافه ليس هذه الفئة بقدر ما استهدفت مخصصاتهم المالية! سنوات من أنين أمهات وأسر قطرية تتوسل قبول أبنائها في هذا المركز، ولكن هذه التوسلات تبوء بالفشل بسبب رفض إدارة المركز استقبالهم، بدعوى ضعف الموارد المالية! ضعف الموارد المالية وإدارتها صرفت (11) مليون ريال فقط على سكن فنادق وتأجير سيارات فخمة، وأهدرت أكثر من (44) مليون ريال على صفقات فاسدة، والكثير من الملايين راح هباءً منثوراً! لا أجد سبيلاً للخوض في حقارة ما حدث في هذا المركز من فساد القائمين عليه، فهي نقطة سوداء في العمل الاجتماعي، وننتظر محاكمتهم. «أمان» أنشئت هذه المؤسسة (القطرية لحماية الطفل والمرأة) عام 2002، وقد أمضى هذا المركز أكثر من اثني عشر عاماً قضاها لتحقيق رؤية (لأجل مجتمع خالٍ من الإساءة والعنف والممارسات المنحرفة)! بعد هذا العمر المديد من عمر هذه المؤسسة بإدارة واحدة منذ 12 عاماً لم يتعرف عليها المجتمع بالشكل المتصور، غابت الاستراتيجية فغاب التواصل، والحقيقة أن هذه المؤسسة لم تضع في حسبانها المجتمع وكسب مودته بل سعت لمعاداته، وتجلى ذلك في حالات عدة، منها ما حدث بإحدى المدارس، حيث كشفت ستر هذا الطالب وتم التشهير به من قبل هذه المؤسسة للدفاع عن موقفها، وبذلك فقدت شعارها (أمان)، ولذلك لفظها المجتمع. ويظهر واضحاً أن المجتمع لم يكن مركز اهتمام القائمين على هذه المؤسسة كما هو حال اهتمامهم بالخارج، لذلك كانت المسؤولات عنه كثيراً ما تكون حقائبهن جاهزة لتمثيل المؤسسة مع كل شاردة وواردة في الخارج، وهذا ما أوصل مخصصات بدلات مسؤولة بهذه المؤسسة تتجاوز المليون ريال في عام واحد! وتتضح الصورة بهيكلها التنظيمي وشواغرها الوظيفية التي لم تجد من يسدها يوماً، ولعل نفور الالتحاق بهذه المؤسسة من القطريين خاصة يعكس مأساة العمل فيها وفي سوء إدارتها! دار الإنماء الاجتماعي تأسست هذه الدار سنة 1996، وبذلك يكون قد مضى على عمرها أكثر من 17 سنة، قضتها في تحقيق رؤيتها (بناء أسرة مستقرة وتعتمد على ذاتها لتساهم في تطوير المجتمع) كما تدعي! ووفق الواقع والوقائع، ومع سنواتها الطوال هل نرى أو نفهم كيف تحققت رؤيتها التي طالما أعلنت عنها (بناء أسرة مستقرة وتعتمد على ذاتها لتساهم في تطوير المجتمع)؟! وكل ما يعلمه المجتمع القطري عن دار للإنماء الاقتصادي الإعلان عن مشاريع اقتصادية، أكثر من مبادرات اجتماعية تطغى عليها هالة إعلانية وإعلامية غير مسبوقة، وتثير الكثير من علامات التعجب! دار الإنماء لا يعرفها المجتمع إلا من خلال جمع الأموال وعمل المشروعات الاقتصادية من مجمعات سكنية وفي محلات في المنطقة الصناعية ومصانع، والدخول في شركات كثير منها باء بالفشل، ولعل ما يعكس رؤيتها المحصورة في جمع المال أكثر من تحقيق رؤيتها هو أن مدير المشاريع في هذه المؤسسة –وهو بالمناسبة غير قطري– يتجول في أوروبا وأميركا سنوياً -في فترة الصيف فقط– ولمدة ثلاثة شهور وعلى حساب المؤسسة، ماذا يفعل؟! يجلب أفكاراً اقتصادية للدار! الحديث حول هذه الدار يطول، والمضحك أن من يحاول أن يقترب منها يجد صداً غريباً وكأنها قلعة عسكرية، وقد اطلعت على تجاوزات كثيرة منها، سبق أن أعلنت عنها ونشرتها في الصحف يمكن العودة إليها. «إحسان» حقيقة المؤسسة القطرية لرعاية المسنين قصة طويلة ولها من العمر ما يتجاوز كل القاطنين بها –وما أقلهم– ورغم أن المؤسسة تعلن أنها تأسست سنة 2003 إلا أن واقع هذه الفئة غير ذلك، حيث أعلنت اللجنة المعنية بهم من عشرين سنة عن حملة تبرعات شارك فيها المجتمع برمته، ثم قررت تلك اللجنة إنشاء مقر للمسنين على الكورنيش مقابل الهلال الأحمر، وبعد بناء المبنى الكبير، تقرر بيعه ليتحول إلى فندق، والصدمة الكبيرة أننا وبعد أكثر من عشرين عاماً نكتشف وعلى لسان رئيس مجلس الإدارة الشيخ خالد بن جبر آل ثاني حيث صرح أن عدد المسنين لا يتجاوز عدد أصابع اليدين، وليس بينهم سوى قطري واحد! في كل الأحوال لا نحملهم تصرفات سابقة، ولكن بالفعل أستغرب هذا العدد من المباني وهذا الكم من الموظفين للمؤسسة بينما العدد لا يستدعي كل ذلك! المؤسسة القطرية لمكافحة الاتجار بالبشر أنشئت هذه المؤسسة سنة 2006، والحقيقة أن مهامها كانت كبيرة خاصة في شأن خلق ثقافة جديدة في التعامل مع العمال بشكل عام وفق قواعد وقوانين لم يعتد عليها المجتمع بشكل عام، والحقيقة أن المشكلة ليست في ثقافة المجتمع، بقدر ما هي ثقافة الشركات والمؤسسات التي أساءت للبلاد والعباد! لذلك ومع تقدير ما قامت به من جهود خلال الفترة السابقة إلا أن نموذجاً واحداً أو صورة واحدة يمكن أن تجعل من كل تلك الجهود مجرد عبث إذا ما قورن بالواقع! وعلى سبيل المثال حالة حافلات النقل -الباصات– المزرية التي تنقل العمال، وكيف يتم تركهم لساعات في انتظار نقلهم، ناهيك عن نومهم في الطرقات أثناء ذلك! هذه الصورة فقط تدين هذه المؤسسة، وهي مسيئة بحق البلد ولهذا المجتمع الذي لا يرضيه ذلك، ولا يرضينا أن تكسب تلك الشركات الملايين على حساب من قدموا من بلدانهم للمعيشة، ويتم استغلالهم بهذا الشكل، وما زالت التقارير الدولية تمس حقوق الإنسان في هذا البلد، والذي لم يكف يوماً عن وضع كافة المعايير لحماية حقوقهم، لذلك نتساءل لم هذه المؤسسة -وغيرها- صامتة عما تفعله هذه الشركات في حقوق العمال، وإساءتها لقطر حكومة وشعباً؟! «الاستشارات العائلية» هذه المؤسسة لعلها من وجهة نظري من أهم المؤسسات التي يمكن أن تخدم المجتمع –وهي تفعل– لكن للأسف ما زالت متواضعة مقارنة بحجم المشكلة، وأخص بالذكر إصلاح ذات البين بين الزوجين قبل الطلاق، إضافة إلى الحاضنة وغيرها من تبعات الطلاق. تواصلت مع القائمين على هذا المركز، وهم مع اعترافهم بالتقصير يحاولون النهوض بواجباتهم، ولكن هذا المركز يعيبه علاقاته مع أجهزة الدول الأخرى وجدية التعامل معه، إضافة إلى افتقارهم للموازنات المالية التي تستدعيها واجباتهم وحجم مسؤولياتهم. هناك مشكلة إدارية ومالية مفادها أنهم يعملون وفق إمكانياتهم، بمعنى أنهم يحتاجون لنفقة، وهذا ما يغيظ عندما يستسلم البعض للواقع ولا يدق جميع الأبواب للنهوض بعمله حتى لو استدعى منه التواصل مع الجهات العليا، لأن في ذلك مصلحة عامة التهاون فيها جريمة. من يتحمل المسؤولية؟! مجالس الإدارات بالتأكيد لا يختلف اثنان على أن مجالس إدارات هذه المراكز والمؤسسات كانت عبارة عن (سمنديقة) في معظمها لا تهش ولا تنش، وكثير منهم كان لا يحضر الاجتماعات، ولا يبالي بما يحدث في هذه المؤسسة التي هو عضو بمجلس إدارتها. وواقع الكثير منهم أنهم (مب كفو) لهذه المسؤولية، ولم يقدروا الأمانة التي يفترض أن يتحملوها. مديرو المؤسسات للأسف الكثير من مديري هذه المؤسسات دون الكفاءة اللازمة، والاختيارات تمت بتوصيات من جهات كثيراً ما تكون ذات علاقة وقرابة بهذه الشخصية، وأحياناً صداقة لا أكثر، هذه التعيينات –وفق العلاقات- جعلت من البعض –أو بعضهن- في هذه المؤسسة أكثر من عشر سنوات دون حراك ودون محاسبة ودون مساءلة ودون مراجعة في تلك الإدارة ونتائج ما تحقق. وللأسف الكثير من مديري -أو مديرات- هذه المؤسسات حولوها لمؤسسات ظلامية ومضللة، بعيدة كل البعد عن الشفافية والتعامل بمصداقية، مستندين على علاقتهم وصداقتهم مع بعض الشخصيات النافذة والتي أتت بها لهذا المنصب! لذلك تمت إدارة هذه المؤسسات كملكيات خاصة، وبشخصنة غير مسؤولة، وأنانية مفرطة وأبعد ما تكون عن الوطنية، وأبعد ما تكون عن الحد الأدنى من الإدارة المؤسسية، وهي أقرب إلى الشللية في إدارة المؤسسة للحفاظ على المكتسبات الخاصة. لذلك لا نستغرب النتائج والحال التي وصلت إليه هذه المؤسسات وما استدعي من تعديل لأوضاعها. المجلس الأعلى للأسرة المجلس الأعلى للأسرة يتحمل أيضاً جانباً من هذه المسؤولية، وما حدث في هذه المؤسسات من ضعف في الأداء أو التجاوزات لم تكن لتستشري لولا تقاعس المجلس عن المتابعة، ورغم وجود مجالس إدارات لهذه المؤسسات، والتي كان المجلس الأعلى للأسرة دائماً ما يبرر عدم تدخله، إلا أن الواقع والوقائع تؤكد أن هناك الكثير من التجاوزات والمشاكل وصلت إلى المجلس وبالتحديد لمستشاريه، ولم يحركوا ساكناً. بل ويؤخذ عليهم عدم الوضوح في التعاطي مع ما يصل إليهم من ملاحظات وشكاوى موثقة، بل هناك من ينسب إليهم التعامل مع هذه المؤسسات وفق المصالح مع إدارات هذه المؤسسات وعلاقاتهم من خلال تعيينات لأقرباء لهم في هذه المؤسسات، وما يؤكد ذلك انكشاف المتقدمين بالشكاوى والضرر بهم لاحقاً. ولا بأس في هذا المقام نستشهد بما صرح به الشيخ الدكتور خالد بن جبر آل ثاني رئيس مجلس إدارة المؤسسة القطرية لرعاية المسنين، والذي أكنّ له كل تقدير واحترام على جرأة الطرح والصراحة التي دائماً ما كانت سبباً في تصادم ذوي المصلحة معه، حيث قال تعليقاً على ما تسرب من مشروع دمج المؤسسات –الذي أصبح واقعاً- إنه سيرفع شكوى في حال إصرار من وصفهم بـ (لجنة المستشارين) على تطبيق قرار الدمج بين المؤسسات الاجتماعية الثماني دون استشارتهم، مشيراً إلى أنه كلما حاول أحد المسؤولين في المؤسسات الاجتماعية الحديث مع من يسمون بـ»المستشارين» يكون الرد عليهم بالقول «هناك تعليمات!» مستنكراً ما وصفه بعدم الاحترام الذي يتعامل به هؤلاء المستشارون بالمكتب المفوض مع مسؤولي المؤسسات الاجتماعية، حيث دأبوا على توجيه مراسلات وقرارات في أوراق بيضاء لا تحمل أية ترويسة رسمية أو توقيع خاتم، الأمر الذي اعتبره إهانة له ولباقي المسؤولين بالمؤسسات الاجتماعية. ووجه سعادته انتقاداً لاذعاً للمجلس الأعلى لشؤون الأسرة، متسائلاً عن دور المجلس فيما يحدث حالياً من قرارات لدمج المؤسسات الاجتماعية ما دامت الأخيرة أنشئت أساساً تحت مظلة المجلس! أخيراً تضمن عنوان المقال (مؤسسات الضلال..) والحقيقة أن الكثير من هذه المؤسسات ضلت الطريق وضللتنا، لذلك كان تدارك ما يحدث فيها متأخراً، وهو ما أهدر الكثير من المال العام عبر هذه المؤسسات! نعم بعض المؤسسات حاولت، ولكن بعض المؤسسات تمادت، وفي كلتا الحالتين محدودية عطائهم انعكست على محدودية النتائج، ولعل معيار الفشل يتمثل في جهل الكثير من أطياف المجتمع بهم وبرؤيتهم ناهيك عن عملهم! ما سبق يعتبر كشف حساب لهذه المؤسسات، نسأل الله أن يكون لقرار صاحبة السمو الشيخة موزا بنت ناصر بتأسيس المؤسسة القطرية للعمل الاجتماعي كمؤسسة عليا تتولى من خلال مجلس إدارة موحّد الإشراف والرقابة على المؤسسات سالفة الذكر، أن يكون مثل هذا القرار بداية جديدة وإنعاشاً لهذه المؤسسات في عملها وتعاملها وفي أثرها وانعكاس رؤيتها على المجتمع بشكل عام. ملاحظة أخيرة تعديل المؤسسات سواء كان ذلك بالحل أو الدمج لا ينبغي أن ينعكس على حقوق العاملين فيها، بل ينبغي أن نرسل رسالة سريعة وقوية أن كل أخطاء مجالس الإدارات والإدارات التي كانت تدير هذه المؤسسات لا ينبغي تحميلها عبء الإصلاحات على موظفيها، ولعل ما يدفعني لذلك ما يحدث حالياً من ظلم يقع على بعض موظفي «الشفلح» بدعوى الإصلاح، والمشكلة أن الظلم يقع على القطريين فقط دون الأجانب في عملية الإصلاح، حيث يتم التعامل معهم –الأجانب- وفق ما نصت عليه عقودهم، فلم يتم استثناء القطريين من هذا الحق؟!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.