الأحد 16 ذو الحجة / 18 أغسطس 2019
02:11 ص بتوقيت الدوحة

أي مجتمع مدني في ظل الحراك العربي؟

منبر الحرية

الأربعاء، 25 سبتمبر 2013
أي مجتمع مدني في ظل الحراك العربي؟
أي مجتمع مدني في ظل الحراك العربي؟
لقد أفرز الحراك العربي نقاشات عميقة حول مجموعة من المواضيع التي كانت تستهلك بشكل سطحي وبدون غوص في حيثياتها وأبعادها. ويعد من بينها المجتمع المدني كمفهوم متجدر في الغرب، فقد عرفه «توماس هوبز» في منتصف القرن السابع عشر بأنه مجتمع ينظم نفسه على شكل تعاقدات اجتماعية بين أفراد مستقلين، وتطور المفهوم عند «جون لوك» فأسماه المجتمع ذا السيادة والقادر على تشكيل إرادة عامة، نابعة من مشاعر إنسانية وروابط تراثية واهتمامات مشتركة، كما لقبها «إدموند بيرك»، ليخطو فيما بعد أولى الخطوات في العالم العربي مع بداية الحركات الاستقلالية في الأربعينيات من القرن الماضي. وكمحصلة لعمل هذه المنظومة، يمكن التحدث عن عدم توافق في مبنى وفي معنى عملها داخل الدول العربية، حيث تواجدت هياكل المجتمع المدني من جمعيات تطوعية ومنظمات حقوقية ونقابات عمالية واتحادات طلابية، لكنها عانت من تسلط الدولة واستبداد الأنظمة وضعف الإطار القانوني المنظم لعملها وإشكالية النخبوية والتباعد مع القاعدة الجماهيرية، ما أدى إلى قصور في الأداء المنتظر والتفاف ممنهج حول جوهرها ووظائفها الهادفة، لقد تم تعامل صنميّ «فيتيشيّ» مع المفهوم، إلى درجة إفراغه من قدرته التفسيريّة ومفعوله النقدي. نعالج في هذا المقال إسهامات المجتمع المدني العربي في التغيير الديمقراطي والتصورات الفعالة المبتغاة منه لإرساء وتوطيد هذا المسار عبر ثلاثة محاور رئيسية: - قدرة المجتمع المدني العربي على تجاوز العثرات السابقة ومواكبة التغيير بقوة اقتراحية ناجعة. - استئصال البنيات الفكرية والممارسات المجتمعية المدمرة لنواة المجتمع المدني الحر. - كيفية الحد من مخلفات الاستبداد ووضع الركائز الأساسية للحفاظ على مكتسبات الحراك العربي. قدرة المجتمع المدني العربي على تجاوز العثرات السابقة ومواكبة التغيير بقوة اقتراحية ناجعة إن قدرة المجتمع المدني العربي على تصحيح أخطاء الماضي مرتبطة بمدخلين أساسين هما: القضية الديمقراطية وطبيعة العلاقة مع الدولة. إذ يعتمد المجتمع المدني على عناصر مركزية تشكل اللبنة الفاعلة في كيانه، تتجلى في العمل التطوعي والمؤسساتي، الاستقلالية عن الدولة واحترام المشروعية الدستورية والمبادئ الديمقراطية. لقد انقسم المجتمع المدني قبل الحراك العربي إلى مجتمع يواجه الأنظمة الاستبدادية ويعتبر ملاذا للنضال وجامعا لمعارضي النظام، وقد عانى هذا القسم من السياسة الإقصائية التهميشية المتعمدة أو من عزلة انطوائية تبعده عن الشعب وتحصره في نخب ضيقة، وقسم آخر تعرض لعمليات التدجين من خلال إشراكه في الفساد وفي استغلال النفوذ، وبهذا هيمنت الدولة على أهم وظائف المجتمع المدني، وكما يقول المفكر فالح عبدالجبار: «إن زحف الدولة في ميدان إنتاج وتبادل الثروة الاجتماعية مهد لزحفها الظاهر داخل التنظيمات الاجتماعية ثم إلى ميدان إنتاج الثقافة، وها نحن إزاء مجتمع مدني واهن ويفتقد إلى الأدوات المدنية للتعبير عن النفس». وفي هذا الصدد، فتعرض المجتمع المدني العربي للوصاية والتبعية جعله يلعب دور العميل المزدوج الذي يعادي السياسة باسم الديمقراطية، ثم يدير ظهره للديمقراطية باسم كونها معركة سياسية، وهنا يجب دحض هاجس الدولة بأن المجتمع المدني القوي يضعفها، هذه ليست مجتمعات بل جماعات انفصالية ووشائجية مبنية على القبلية والعشائرية والطائفية. على العكس من ذلك، فالمجتمع المدني القوي يحتاج دولة قوية تميز نفسها عن النظام أي كمؤسسات تضمن الاستمرارية وذات شرعية، وليس أشخاصا يفرضون الخضوع والعنف، وبذلك تكون العلاقة بين الدولة والمجتمع تفاعلية وتكاملية، نجاحها لصيق بوجود مجتمع مدني عربي قادم من السفح وحامل لمشروعية مجتمعية، وبتوافر عامل الثقة بين المؤسستين الذي لا يتحقق إلا في ظل مبادئ دستورية ديمقراطية تمثل الرهان الأبرز للمجتمع المدني العربي في حراكه، ونذكر هنا: مدنية الدولة، احترام الحريات العامة وحقوق الإنسان، فصل السلطات وسيادة القانون، استقلالية القضاء..، ومن هنا يكمن الدور الجديد للمجتمع المدني العربي كقوة ناعمة وموازية للعمل الحكومي لديها نظام للرقابة واليقظة، تنتقل من خط الدفاع المقاوم الذي تبنته للمرافعة إلى قوة اقتراحية واستباقية بمرتبة متقدمة ومكانة عالية، تأخذ زمام المبادرة لتحسين الأوضاع وتكون شريكا استراتيجيا للدولة في سياساتها العمومية ومحركا حقيقيا للثقافة المجتمعية الحداثية. من بين أشكال الاستبداد، تمكنه من التوغل داخل المجتمع عبر أفكار وممارسات هدامة تشجع على التفرقة، الاتكالية والهروب من المسؤولية، ثم منطق الراعي والرعية، حيث تجعل النظام السياسي شموليا وأخطبوطا متدخلا في جميع الحقول وداعيا لفكره الخاص، والتخلص من هذا الإرث، لن يتحقق إلا إذا كان المجتمع المدني حاملا لرؤية واقعية ومشروع واضح بدور طلائعي، يصنع قيمة مضافة من خلال تحمل المسؤولية وتقوية التعدد والتنوع كطريق للسداد. وفي هذا السياق، فالارتقاء بالأداء من أهم تحديات المجتمع المدني العربي والتي تنبني على هيكلة إدارية مرنة وتوظيف دقيق لآليات التسيير وكذلك الاستثمار في الموارد البشرية عبر التدريب والتلقين، ثم تأتي إشكالية التمويل التي تتقاطع مع مسألة السيادة الوطنية باعتبارها جزءا من خصوصيات الحراك العربي. وبهذا، فأولويات عمل المجتمع المدني يمكن تلخيصها في النقط التالية: * تبني مبادئ وقيم الحراك العربي (السلمية، الحرية، العدالة، الكرامة وإرادة الشعب..). * السعي في سبيل التضامن والانسجام المجتمعي بين جميع الفصائل. * التوجه من حقوق الإنسان إلى حقوق الشعب ضد التسلط والإرهاب وإحقاقا لحق التنمية البشرية، يزكي هذا الطرح قول المفكر سعد الدين إبراهيم: «إن الدعوة لأساسيات المجتمع المدني ودعم مؤسساته هي الطريق الأمثل للديمقراطية الحقة والتنمية الشاملة والعادلة». في ظل الوضع الانتقالي الذي تعيشه الدول العربية، تشير بوصلة المجتمع المدني إلى ضرورة تحجيم الآثار السلبية لسنوات الاستبداد بمقاربة جديدة تشرك وتدمج شرائح اجتماعية واسعة ومتنوعة في المجتمع المدني، ما يستوجب تعبئة للتحسيس والتوعية تدعو إلى المواطنة عبر حكم رشيد يفصل ويوازن بين السلطات ويربط المسؤولية بالمحاسبة والمساءلة ويحارب مركزية القرار. الحراك العربي يفرض أيضا إصلاحا اقتصاديا، ينطلق من مواجهة الفساد ويتطلع إلى سياسات تنموية تقوي الإنتاج وترفع من مستوى التنافسية وكذلك إصلاح ثقافي يرتكز على نهضة فكرية رائدة. ويبقى التكامل المشترك للمجتمع المدني العربي رافعة لتأمين المكتسبات من الانحرافات عن المسار الديمقراطي وقفزة نوعية باتجاه التنمية المستدامة. وفي الأخير، إن الرقي بالمجتمع المدني العربي رهين بنقطة الإقلاع المتمثلة في الحرية، فهي التي توسع خيارات البشر التنموية وتساوي بين جميع الفئات المجتمعية، علاوة على ضمانها لحق النقد والتقويم عبر دينامكية النقاش المفتوح والمستمر. بالتعاون مع مشروع «منبر الحرية»
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.