الإثنين 16 شعبان / 22 أبريل 2019
06:57 م بتوقيت الدوحة

المستشار.. المستشار!

صالح الشيحي

الأربعاء، 18 سبتمبر 2013
المستشار.. المستشار!
المستشار.. المستشار!
حينما حدد الرسول صلى الله عليه وسلم موقع جيش المسلمين في غزوة بدر، سأله الحباب بن المنذر بن الجموح: «يا رسول الله، أرأيت هذا المنزل، أمنزلا أنزلكه الله ليس لنا أن نتقدمه، ولا نتأخر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة»؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «بل هو الرأي والحرب والمكيدة».. فقال الحباب: «يا رسول الله، فإن هذا ليس بمنزل، فانهض بالناس حتى نأتي أدنى ماء من القوم، فننزله، ثم نُغَوِّر ما وراءه من القلب، ثم نبني عليه حوضا فنملؤه ماء، ثم نقاتل القوم، فنشرب ولا يشربون».. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لقد أشرت بالرأي».. هذا الحديث يبرهن بشكل مباشر على قيمة المشورة.. يؤكد أهمية المستشار، وأهمية الأخذ برأيه؛ حينما يكون موضوعياً دقيقاً.. حينما يستند رأيه على الخبرة والدراية.. هذا يقودنا بالضرورة إلى أن المستشار مهمة ليست بالسهلة.. ليس كل شخص مؤهلا لأن يكون مستشاراً.. أو نعهد إليه بمهمة الاستشارة، أو نستعين برأيه ومشورته وخبرته.. ليس كل رأي ثاقباً، ولا كل مشورة محققة للآمال، ولا كل خبرة جديرة بالاهتمام.. المستشار هو شخص يعهد إليه بالمشورة الصادقة.. من صفاته -أو هكذا ينبغي أن يكون- الأمانة والشجاعة والصراحة والذكاء.. أي خلل في هذه الشروط ينقله من مهمة المستشار إلى مهمة أخرى.. سمها ما شئت! المستشار يقوم بمهامٍ جسام.. يراقب ويدرس الحالة وظروفها ويقدم الحلول والخطوات السليمة.. يقوم من خلال خبرته العملية والعلمية بتحليل الحالة وتقديم الرأي الموضوعي الصادق حيالها.. بعيداً عن هذا الاستطراد، أود القول: إن «المستشار» مفقود في بيئتنا وبنيتنا العربية.. العرب الذين قال أجدادهم «ما خاب من استشار» يفتقدون المستشار! يؤمن به بعض ويكفر به آخر.. يحتفي به قوم وينبذه آخرون.. غني عن القول إن هناك من ضعاف الإيمان والعقول من يلجأ لاستشارة العرافين والمنجمين! دعونا نبدأ من رأس الهرم الاجتماعي.. هاكم بدايةً أغلب الملوك والرؤساء والسياسيين العرب.. المقاليد والأقدار بيد العزيز الحكيم ولا شك -يؤتي الملك من يشاء وينزع الملك ممن يشاء- هذه حقيقة مطلقة، لكن لكل شيء سبب.. تعالوا نتأمل سوياً: لو كان لدى الرئيس التونسي «زين العابدين بن علي» مستشار أمين وصريح وشجاع، لو كان لديه هيئة استشارية أمينة نزيهة تبيّن له عوار سياسته الداخلية، وتراكم أخطائه، وتكشف له عياناً حقيقة احتقان شعبه، هل كانت الأمور ستصل به ليصبح طريداً شريداً؟! لو كان لدى «معمر القذافي» مجموعة من المستشارين الأمناء الشجعان، الذين يغامرون بقول الرأي المخالف لفخامة العقيد، هل كان سيصل به الأمر مسحولاً في شوارع طرابلس تحت أقدام الثوار؟! ولو كان لدى «حسني مبارك» لجنة استشارية صادقة أمينة تكشف له أن ثلاثين سنة قضاها على كرسي الرئاسة قد خنقت المصريين وأذابت ثقل بلاده، هل كانت حياته ستنتهي بهذا الشكل المهين؟! والحالة تنطبق على الرئيس السوري الذي حرمه الله مستشاراً أميناً ذا حس إنساني -ولذلك لا يزال يذبح ليل نهار بالطائرات والأسلحة الثقيلة والكيماوية-! هل تراه لو وجد مستشاراً ناصحاً شجاعاً نصحه في اليوم الأول أن يبادر للشخوص إلى درعا، وإعلان بإقالة الحكومة من هناك، وتقديم ما قدم من تنازلات لاحقة في وقتٍ مبكر -هل وهل- كانت ستصل به الأمور ليصبح أشهر مجرم حرب في العصر الحديث؟! هل كان لدى هؤلاء مستشارين يقدمون لهم الرؤية السليمة في الوقت المناسب؟! وفي الحالة المصرية -التي استحوذت على سمع وبصر الناس الفترة الماضية- هل تعتقدون أن الرئيس منزوع الدسم «محمد مرسي» كان يستعين بمستشارين سياسيين مختلفي الثقافات والمشارب خلال السنة التي حكم مصر خلالها.. لا أعتقد.. وإن كان لديه فلا أظنهم على قدر المسؤولية! لقد تخلى السياسي العربي عن المستشار الأمين.. واستبدله بكائنات حية لا هم لها سوى التكسب من ظهره، وضرب الناس بعصاه.. لذا لعله من الموضوعية القول إن غالبية مشاكلنا في الوطن العربي دائرة المستشارين المحيطة بالسياسي.. هي العقبة الحؤول أمام مسيرة التنمية.. غالبية مشاكلنا التنموية هي نتاج إسناد مهمة «المستشار» للشخص غير المناسب، وأحياناً غير الأمين.. وكثيراً الجبان.. ولذلك -ركز معي في النقطة الأخيرة- حينما تعثر على مسؤول عربي ناجح، فتش عن دائرة المستشارين التي تحيط به كأنها ربطة عنق، قبل كل شيء!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.