الأربعاء 17 رمضان / 22 مايو 2019
01:44 م بتوقيت الدوحة

الرسوب الكبير.. والمسؤولية

الرسوب الكبير.. والمسؤولية
الرسوب الكبير.. والمسؤولية
الحديث عن أن معدل نسبة الرسوب في الدور الثاني وصل إلى %70 أي ما يوازي أكثر من (5000) خمسة آلاف طالب وطالبة معظمهم من القطريين انتقصت من أعمارهم الدراسية سنة كاملة! أي ما مجموع عدد طلاب عشر مدارس مستقلة جميع طلابها راسبون، جميع طلابها تم شطب سنة دراسية من أعمارهم، وهي سابقة تاريخية لم تحدث في تاريخ التعليم بقطر! هل نفهم هذا العدد؟ وهل ندرك ما حدث؟! ما هو أكثر وجعاً أن هذا العدد الضخم من الراسبين نتاج جهود كبيرة لتقليله، وهم نتاج أكبر عملية غش وتغطية وتستر أيضاً لم يسبق لها مثيل في تاريخ التعليم بالعالم. ما حدث تجاوز المعقول ولمستوى الحضيض في العملية التعليمية، فقد كان الغش في أبشع صوره وأشكاله، ولم يحفظ للمعلمين والمعلمات الحد الأدنى من الشرف والكرامة التي يفترض أن يحتفظوا به! ما حدث للطلاب بلغ مرحلة الغثيان وهم يرون معلميهم ينتقلون من طالب لآخر لنقل الإجابات الصحيحة! هل يمكن تخيل أخلاقيات معلمات يقمن بنقل إجابات خاطئة للطالبات يستوقفهن رفض طالبة اجتهدت وترفض الغش بنقل الإجابة منهن، ليقينها وإدراكها لصحة إجابتها وبعد إلحاح من المعلمات لتغيير إجابتها، تأتي لهن من حقيبتها بالإجابة الصحيحة، وعلى إثر ذلك تم تصحيح إجابات الطالبات مرة أخرى! هل نستشعر الخيال كيف يعود لنا وهو خجل مما وصلنا إليه في أذهاننا؟ كيف لا وما يحدث انحطاط أخلاقي وتربوي يتجاوز كل معايير البشرية والإنسانية، فكيف بمسلمين وعرب ومواطنين وفي هذا الشهر الفضيل وهم صيام يحدث كل هذا؟! ما حدث لم يأت من فراغ بقدر ما هو نتاج إيعازات مبطنة وأحياناً صريحة من إدارات المدارس بأن أي طالب سيرسب سيتعرض معلم المادة للمساءلة، وعليه كانت هناك ضرورة التسهيل في تصحيح الإجابات، حتى بلغ الأمر بتشكيل لجان استثنائية تحت مسمى (لجنة الرحمة) من المدارس تعيد تصحيح الإجابات الخاطئة للطلاب تحت عنوان افهموا مقصد الطالب وليس ما يكتب! ما نتحدث عنه ليس من باب المبالغة أو الافتراء أو أنها حالات فردية، وإنما هي آفة استشرت بالمدارس -إلا اللمم- للوصول إلى النموذجية الشكلية في تطبيق مبادرة (تعليم لمرحلة جديدة)، وشكّل -للأسف الشديد- الوزير السابق والمستشارة التي كانت تشغل بالأمس القريب منصب مديرة هيئة التعليم انحرافاً في العملية التعليمية بدرجة حادة سيعاني منها المجتمع لعقود قادمة، وسيتحمل أثرها وطن ومواطن! إن حقيقة ما حدث أكبر من أن نتخيله، وهو نتاج الخوف الذي صب على مشغلي المدارس، ومن ثم على المعلمين بفعل سنوات سياسة هيئة التعليم من تخويف وترويع وهلع من سحب الرخص لكل مدرسة تخرج نتائجها كما هي لا كما تريدها هيئة التعليم! وعلى ضوء ذلك استنفرت معظم المدارس كل أساليب الغش للحصول على رضا هيئة التعليم والإبقاء عليهم ولو برؤوس خانعة كاذبة خاطئة! قد يقول البعض وما الذي يدفع مديري المدارس –من الجنسين– لكل هذه التجاوزات، وأين الوزير من كل ما يحدث؟! أما أسباب المديرين من المشغلين –معظمهم- فإن الكثير منهم وقع تحت ضغط أمرين كلاهما مر! فالكثير منهم ينبغي أن يستكمل خدمة الخمس سنوات وفق قانون الموارد البشرية باعتبار معاملتهم معاملة القطاع الخاص، وعليه فإن من شأن سحب الرخصة قبل استكمال هذه المدة يمكن أن تعود به من راتب (50 ألفاً) إلى (16 ألف) ريال! من جهة أخرى وقعوا تحت ضغط سمعة المدرسة وإدارتهم لها في حال خرجت بنتائج ضعيفة مقارنة بنتائج المدارس الأخرى، والتي لجأت إلى الغش بشتى السبل، وقد تكون ضمن المكرمين في يوم العلم! كل ذلك كان يحدث تحت سمع وبصر الوزير السابق، والذي لم يحرك ساكناً، ولا أتردد في كونه مساهماً وشريكاً في هذا الاضمحلال الأخلاقي والتربوي بسياسته التي انتهجها -بمعية المستشارة- طوال الفترة السابقة، بدأت منذ ثلاث سنوات حيث صدم المجتمع على أكبر عملية غش في المدارس المستقلة، كشفتها طفلة بالمرحلة الإعدادية عبر برنامج «وطني الحبيب»، أبلغت والدتها بأن المعلمات يغششنهن في الاختبار! ولأن هذا الفعل شنيع ومرفوض وأكثر رفضاً عندما يكون في مكان يفترض أن يتعلم فيه أبناؤنا صحة التعليم والتربية، بادرت ولية الأمر بالاتصال بـ «وطني الحبيب» ولتترك ابنتها تتحدث بكل عفوية واستغراب عما حدث في الاختبارات! البعض تصور أنها قد تكون حالة فردية، ولكن الصدمة أن الطلاب بدؤوا يعترفون لآبائهم، وبدا وكأنه كان وباء انتشر بالمدارس المستقلة –معظمها– لتشكل على أثر الشكوى لجنة تحقيق من هيئة التقييم، وبعد التثبت من الوقائع اعترفت ثلاث مدارس بكل ما حدث فيها من تجاوزات، بينما 9 مدارس أخرى لم تعترف، ولكن كل الدلائل كانت تدل على حدوث الغش فيها، ومنها اعتراف أولياء الأمور بعد استدعائهم بأن أبناءهم كانوا في البيت ولم يحضروا للمدرسة في أيام محددة، بينما كانت تشير كشوفات المدرسة إلى حضورهم للمدرسة وتقدمهم للاختبارات وبدرجات متميزة! هذا الفعل الفاضح في حق التعليم والوطن والمواطن والتستر عليه خيانة للأسف لم يعاقب عليها أحد، بل تم تكريمهم! عدم اتخاذ إجراءات ضد تلك المدارس شكل صدمة للمدارس الأخرى، سواء تلك التي كانت ضمن المدارس التي تم ضبطها أو المدارس الأخرى، والتي وجدت في هذا التستر غبناً لجهودها ومحاولة تميزها بمصداقية! هذا التهاون والتخاذل وعدم المسؤولية أوجد ثقافة جديدة بعيدة كل البعد عن الأمانة والنزاهة والمصداقية، وقد تلوث بذلك تاريخ التعليم في قطر وعقول نشء قادم سيتولى قريباً مناصب في هذا البلد بعقلية أن أسهل طريقة للنجاح هي الاحتيال والغش، والمخزي أنه تعلمها من معلم أو معلمة من إدارة مدرسة ومن هيئة التعليم ورأس التعليم! خلاصة ما سبق أن ما نحن فيه من تلوث تعليمي أصاب هذا المجتمع في مقتل بهذا العدد من الرسوب إنما هو رأس الجبل الجليدي، وما الآلاف من الطلاب ممن نجحوا، مستوياتهم ليست بأفضل من الراسبين، جلهم لا يستحقون النجاح ليس لنقص فيهم وإنما للبيئة والثقافة التي أوجدتها مرحلة (تعليم لمرحلة جديدة)، والنتيجة اضمحلال في التعلم والقشور في التعليم. - فقدنا مستقبل طلاب كنا نعول عليهم الكثير، نسأل الله أن يصلح شأنهم! - فقدنا معلمين ومعلمات من هذا الوطن، حتى وصلت النسبة لمستويات متدنية! - فقدنا الثقة في منظومة التعليم والعملية التعليمية برمتها، بفعل الخواء الذي عليه مسؤولو التعليم، خواء نكّس مستقبل هذا الوطن، وسنظل نعاني من ذلك عقوداً من الزمن! ملاحظة: في السابق كان الراسب يصمت خجلاً من نتيجته، وكم توجعه نظرة والده له، والتي تعكس إهمالاً منه بالدرجة الأولى، وبعد ثماني سنوات من (تعليم مرحلة جديدة) أصبح الراسب ووالده في جبهة واحدة، وتساؤل واحد يشغلهم (ليش ولدنا رسب ولم يتم التجاوز عنه)! وهي إشارة ودلالة نستمد منها أن الجميع انخرط في هذا التلوث! وأخيراً: لسنا في صدد اجترار الماضي بقدر ما هو تذكير لا بد منه لكي لا تتكرر الأخطاء، فقد أثخن هذا الوطن بالأخطاء تعقبها أخطاء حتى أصبح الشق أكبر من الرقعة، وآن أوان أن يحظى هذا الوطن بنتائج منظومة تعليمية توازي ما يصرف عليه ويستحقه هذا الوطن.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.