الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
03:39 م بتوقيت الدوحة

مصر حتنور تاني

مصر حتنور تاني
مصر حتنور تاني
إنه اللقاء بكل شغفه ولهفته وقوته وطاقته القادرة على إحياء الأمل وبعثه من باطن اليأس. إنه اللقاء.. فلم أجد لفظة أخرى تصف العيون المتلألئة ولا الخطوات المندفعة ولا تلك الحياة التي عادت تجري فكست الوجوه حياةً. كنت أقف خطوات قبل المدخل. ورأيتهم كيف يتعانقون. كانت أذرعهم مشغولة بما يحملون لكن قلوبهم والأرض تعانقت لحظة أن وطئت أقدام السائرين ميدان التحرير. تلك البقعة الغريبة ذات السحر النادر. والتي يعود إليها تاجُها كلما حاولوا خلعه أو عملوا على تشويهه. أسر مصرية كاملة خرجت منذ الأمس حاملة معها مؤونة الميدان. وإذا بها فقط بعض الخيام وفائض من الثقة والأمل. الأسر قالت إنها عادت لتصحيح مسيرة الثورة. صباح أمس الثلاثين من يونيو كأنما البلاد على موعد غرامي ما. الشوارع مغسولة خالية والمواصلات تسير بهدوء ودون ضجيج وراكبوها صامتون برؤوس تطل على النور. فقط الحافلات المتجهة إلى الميادين الكبرى كانت تحمل راكبين. اتفق الجميع على أن البلاد تسير في طرق عوجاء أفقدتها الموارد والمكانة والأهم أفقدتها الأمان والوحدة؛ لذلك ما إن اقترح موعد اللقاء حتى هبّ أهل مصر للقاء الميادين؛ حيث هناك تصل أصواتهم إلى السماء وهناك تشحن طاقتهم ويستعيدوا إيمانهم بأن في مصر بشرا قادرين على تصويب مسيرتها مهما كان المسيطرون أو أعداء الداخل أو الخارج. وقبل يومين فقط رأيت لقاء آخر مختلفا لكنه كان دافئا أيضا. كان لقاء في فندق أنيق تحيطه الزهور والأشجار العاشقة لأوروبا ورجال الأمن الحارسون لرؤساء الوزراء الذين لم يفُتهم اللقاء السنوي بين الأوروبيين والأميركان. سقطت في غربة ووجع عميق. لقاء هذا العام تم في مدينة «بورتو» البرتغالية التي يعود تاريخها إلى القرن الرابع الميلادي. المدينة القديمة التي بدت لي وكأنها ما زالت جالسة في التاريخ القديم. الأبنية تلفحها رطوبة قديمة تخرج من النهر الذي يتوسطها ومن حوله تعلو الجبال فتعطي لها مذاقا أوروبيا خالصا. في ذلك النهر سارت مركبة كبيرة تحمل كبار أعضاء البرلمان الأوروبي وعددا من وزراء الدفاع وبعض أعضاء الكونجرس الأميركي وعددا من كبار مستشاري البيت الأبيض. اللقاء الأوروبي هذا العام كان تحت عنوان «الاتحاد الأوروبي وأميركا: مشروع نمو ونجاح دول الأطلنطي». هناك في الجلسات التي استمرت على مدار يومين كان اللقاء يبدأ في التاسعة ويمتد إلى الحادية عشرة. ولا يخلو العشاء من كلمات ورسائل. فالوقت كان محسوبا بميزان من ذهب. هناك َفنّد الفريقان المخاطر التي تواجه أوروبا وأميركا. مخاطر الطاقة والبيئة والهجرة ومخاطر التيارات الأصولية، لكنهم وحين وصلهم أن التيارات الأصولية نمت على أيدي الحكومات الأميركية والأوروبية لم يعلقوا. وحين أشرتُ إلى أن السلاح المتداول في شوارع ليبيا وسوريا ومصر مصنوع في الدول الأوروبية لم يأتني رد، لكني وعلى مائدة العشاء سمعت تعليقات فردية تؤكد أن بعض مراكز الأبحاث الأوروبية والأميركية تتلقى أموالا لتجميل صورة بعض التيارات الدينية وأنهم -أي التيارات الدينية- نجحوا في كسب خطوات واسعة في هذا الصدد. على أني ومنذ أن وطئت قدماي طائرة مصر للطيران عرفت أن تلك الخطوات الواسعة تتراجع. طابور انتظار دخول الطائرة كان مظاهرة أولية وتمرينا مصغرا للمصريين العائدين من أوروبا للمشاركة في مظاهرات الثلاثين من يونيو. في الجرائد المصرية التي وزعت قرأت اخبارا عن تحذيرات السفارات الأجنبية لمواطنيها بالعودة، لكن ثلث ركاب الطائرة كانوا من جنسيات غربية قادمين معنا إلى أرض مصر. كانت أمامي فتاة في السابعة من العمر تجلس بجوار أمها. تنظر إلى النافذة وتضحك تتحدث بلغة لم أميزها، لكنها وحين اقتربنا قالت بالعربية «مصر». اللقاء الأوروبي والأميركي كان يبحث في المصالح المشتركة والسعي لبناء مزيد من الجسور بين القوتين. فسقطت في فخ المقارنة بين حوارهم وبين الحوار العربي العربي الذي يجري على موائد ممتلئة بالغضب والحقد ونفي الآخر. وكثيرا ما تكون الموائد ممتلئة بالغرور. اجتاحني الوجع والوزراء يتحدثون لبعضهم بود ويناقشون على الهامش قضايا منظمات مشتركة وحتى جرائم لمواطنين في بلد الآخر. قارنت بين حوارات جادة وأخرى يسود أغلبها المجاملة والود الزائف. سقطت في المقارنة التي أبغضها وأعلن عصياني عليها، لكنها أوقعت بي وأنا أرى دولا رفعت من قدر المصالح وخلفت أوجاع الماضى من دون رجعة. دولا تعمل لصالح مستقبل أفضل لمواطنيها. وليس مستقبل أفضل لحكامها، لكني وحين وصلت إلى مطار بلدي أعادني أمين الشرطة المصري إلى نفسي مرة أخرى وهو يضحك مبتسما «والله حتنور تاني. مصر حتنور تاني».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.