الثلاثاء 13 ذو القعدة / 16 يوليه 2019
09:22 ص بتوقيت الدوحة

بين العرب والبرازيل

بين العرب والبرازيل
بين العرب والبرازيل
عندما سألت وزير خارجية البرازيل السابق سيلسو أموريوم قبل ثلاثة أعوام عما إذا كان نظراؤه العرب قد سعوا للاستفادة من تجربة بلاده الديمقراطية ونجاحها في الفصل بين السلطات والتخلص من إرث الاستبداد، أجاب بأن أياً من العرب لم يبد اهتماماً بهذا المجال. قال الوزير حينها رداً على سؤالي: إن وزراء الخارجية العرب لم يثيروا معه مسألة الديمقراطية ولم يدرك أن الموضوع يشغل حيزاً من تفكيرهم! كان الوزير يومها يحاضر بمركز الجزيرة للدراسات عن صعود البرازيل اقتصادياً ونجاحها في الانتقال الديمقراطي رغم ثقل حمولة الاستبداد الذي زلزلت أركانه هناك عام 1985. كان الوزير يومها مزهواً بما حققته بلاده ويتكلم بثقة عن قدرتها على تصدير بضاعتها في مجال الحريات والحكم الرشيد للعالم العربي الذي تربطها به علاقات وطيدة في مختلف المجالات. اليوم بإمكاننا إدراك أن معالي الوزير كان محقاً فتجربة البرازيل الديمقراطية تبدو ناضجة وقادرة على الصمود أمام العواصف والهزات الاجتماعية مهما كان حجمها. فبعد أسابيع من اتساع رقعة المظاهرات واجتياحها لمختلف أقاليم البلاد بإمكاننا إدراك صلابة الديمقراطية البرازيلية على الصعيدين الشعبي والرسمي. فرغم أن الجماهير لعنت سياسات النظام القائم خصوصاً في جانبها العمالي فإن أياً من الفاعلين السياسيين وقادة الأحزاب لم يطالب برحيل النظام. رفضت الجماهير زيادة الأعباء على العمال وطالبت بإصلاح نظام التأمين ورفع الخدمات الصحية وإحداث تغييرات جوهرية في نظام المعاشات. لكنها لم تدع لرحيل النظام حتى لا تكون ساذجة وعبثية في ذات الوقت؛ لأن الجماهير ذاتها هي من أوصل هذا النظام إلى سدة القرار. هذا التصرف الرزين لا يذكرني البتة بمحمد البرادعي الذي يدعو الرئيس المصري للرحيل رغم أنه لم يعمر في الحكم أكثر من عام. يريد محمد البرادعي وحمدين صباحي وعمرو موسى التنصل من عبء النضال الشاق من خلال الاكتفاء بالدعوة لإسقاط النظام، الذي وصل إلى السلطة عبر صناديق الاقتراع. لقد فات على جبهة «التمرد» والتي هي (تمرد) مفردة لا تنتمي للقاموس الديمقراطي أن دور المعارضة هو كشف تقصير الحكومة ونقد سياستها الفاشلة وحملها على التغيير، وليس جر البلاد لمستنقع الفوضى، وضرب الحائط بإرادة العشب المصري الذي أوصل الإخوان بمحض اختياره لمركز صنع القرار. هذا عن المقارنة بين النخب السياسية والمعارضة في العالم العربي والبرازيل. كذلك يبدو تصرف حكومة البرازيل وردة فعلها تجاه الغضب الجماهيري مغايراً تماماً لما نعرفه في العالم العربي. لقد قالت رئيسة البرازيل: إنها تفخر بشعبها المناضل وتؤيد مطالبه العادلة بتحسين الدخل وإحداث التغيير في مختلف المجالات. ولم تتوقف عند هذا الحد، بل قالت: إن اتساع المظاهرات يعكس حيوية ودينامكية شعب البرازيل ورفضه للظلم والتهميش. لم تتحدث رئيسة البرازيل عن عمل خارجي يهدد البلاد ولم تستعن بمعجم بشار الأسد لاستيراد مفردات من قبيل المؤامرات الخارجية والعصابات الإرهابية والمندسين ونحو ذلك من الهذيان الذي يهدف لتحصين الاستبداد ويسترخص نضال الشعوب. ويبدو الفرق عميقاً بين الجانبين في أن مظاهرات البرازيل رغم ضخامتها واتساعها لم تسفر سوى عن قتيل واحد بينما لم تنزح عائلة واحدة من البلاد. لم تستنفر المنظمات الإنسانية والدولية لبناء معسكرات اللجوء في البيرو والبارجواي المجاورتين للبرازيل. إنها تجربة رائعة ورائدة ولا تذكر بالممارسات في سوريا وليبيا أو أياً من دول الربيع العربي. يبدو العالم العربي إذن مصراً على البقاء في الحضيض، فحتى البرازيل التي تنتمي للعالم الثالث والخارجة حديثاً من أقسى أنواع الديكتاتوريات تسبقنا بمسافات ضوئية في الممارسة الديمقراطية وضمان الحريات.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

.. ومن فوض العرب؟

13 أكتوبر 2014

حول الخطيئة الكبرى

08 أكتوبر 2014

نكرهكم يا فخامة الرئيس

21 سبتمبر 2012

إيران وعقيدة التحريف

07 سبتمبر 2012