الثلاثاء 14 شوال / 18 يونيو 2019
10:32 ص بتوقيت الدوحة

الثورة السورية.. وقصة البشرية على الأرض

الثورة السورية.. وقصة البشرية على الأرض
الثورة السورية.. وقصة البشرية على الأرض
{وإذ قال ربك للملائكة إني جاعلٌ في الأرض خليفة قالوا أتجعلُ فيها من يُفسدُ فيها ويسفكُ الدماء ونحنُ نُسبّحُ بحمدك ونُقدّس لك قال إني أعلمُ ما لا تعلمون}. بغضّ النظر عن الحشو الذي يملأ بتفاصيله التفاسير التقليدية للقرآن الكريم بخصوص الآية المذكورة أعلاه، يكفينا أن نعرف من الآية أن ثمّة جانباً في طبيعة الإنسان يتعلق بالإفساد في الأرض وسفك الدماء فيها، وأن البشرية عاشت وستعيش آثار هذا الجانب إلى أن يشاء الله. لكن الآية وما يتلوها من آيات في سورة البقرة تعطينا مؤشراتٍ قاطعة على أن هناك حكمةً كبرى من وجود هذا الإنسان على الأرض، وأن هذه الحكمة مقرونةٌ بالعلم بكلّ معانيه وتجلّياته. لا نريد الدخول في جدلٍ فقهي أو فلسفيٍ في هذا المقام، وإنما حسبُنا أن نُذكّر كل من يلطمُ نفسه ويندبُ حظّه ويجلدُ نفسه وغيره من السوريين، ثم يمتدُّ بعمليات اللطم والنّدب والجلد إلى الثورة السورية، نُذكّرُه بأن ما يجري في سوريا منذ عامين ونيّف هو جزءٌ من قصة البشرية على هذه الأرض. وأن لديه واحداً من ثلاثة خيارات: فإما أن يستقيل من هذه القصة البشرية بطريقةٍ ما، أو أن يصمتَ وينزوي في عزلةٍ تمنعهُ من القيام بممارسات التخذيل والتيئيس، قصداً أو عن غير قصد، أو أن يتماسكَ بشكلٍ يليق بإنسانيته وبنفخة روح الله فيه، ويستفرغَ الوسع ليحاول أن يكون جزءاً من الحلّ بأي طريقة. وحتى لا نُفهم بشكلٍ خاطئ في مثل هذا الموضوع الحسّاس، وفي هذه المرحلة الحسّاسة من تاريخ الثورة السورية، نؤكد على أن كلامنا السابق موجهٌ تحديداً للسوريين الموجودين خارج سوريا، ولنقل أيضاً خارج مخيمات اللاجئين السوريين هنا وهناك. أما أبناء سوريا الأبرارُ المرابطون على أرضها، من الصابرين على الثغور في كل مجال، فما من كلمةٍ تُقال لهم يمكن أن تفيهم ولو جزءاً يسيراً من حقّ تضحياتهم وبطولاتهم. بل إن حديثنا أعلاه يُمثّلُ دعوة للملمة الصفوف نفسياً وفكرياً وعملياً، وعلى جميع المستويات، للتركيز على خدمة ثورةٍ كان مصيرُها منذ البداية أن تكون تمهيداً لصفحةٍ جديدةٍ في التاريخ الإنساني. بمعنى أنه يهدف في الحقيقة لإكمال ما يقوم به أولئك الرابضون على الثغور. لا يعني كلامنا السابق أيضاً رفضَ الحديث عن أخطاء الثوار صغيرةً كانت أو كبيرة، مدنيةً أو عسكرية أو سياسية، وفي أي مجال من المجالات، وعلى أي مستوى من المستويات. فمثلُ هذا الرفض لن يكون بحدّ ذاته سوى خطيئةٍ هي أكبرُ من كل تلك الأخطاء؛ لأن من ملامح مسيرة الثورة السورية نحو كمالها أن تُراجع نفسها وتنفي عنها الخبَث في الأفكار والممارسات والأشخاص والمواقف. وما أكثر ما يحصلُ هذا منذ أكثر من سنتين على الأقل. لا يهمّنا هنا على الإطلاق أيُّ اتهاماتٍ تُحيل كلامنا في هذا المقال إلى الأحلام أو التفكير الرغائبي، ولن نقف لحظةً عند أي تفسيراتٍ تضعه في خانة (عدم الواقعية) و (العاطفية) وما إلى ذلك من المقولات. ولن نتزحزح قيدَ أُنملة عن يقيننا الجازم بخصوصية الثورة السورية بشكلٍ عام، وبأنها خطوةٌ على طريق تغييرٍ تاريخي، سيكون طويلاً، وسيكون مليئاً بالتحديات، لكن الإنسانية لم تعد فقط بحاجةٍ إليه، بل إنها صارت جاهزةً له وتنتظره بلسان الحال وبلسان المقال. لهذا، يبدو طبيعياً، وطبيعياً جداً، أن نرى قصة البشرية تتجسّدُ في أحداث الثورة السورية بشكلٍ لا يراه ولن يراهُ إلا أصحاب البصائر. ففي هذه الثورة، تتكرر قصة قابيل وهابيل. وفي أجوائها نعيش قصة نوحٍ عليه السلام يدعو قومه تسعمئة عام للخير والحق والعدل! وهم مُعرِضون، فلا يكون الحلُّ معهم إلا بـ (الطوفان). نعيش في الثورة السورية نماذج من صبر أيوب على بلائه.. ومن رحلات خليل الرحمن إبراهيم بين الشك والإيمان.. وصولاً إلى انبلاج يقينٍ يدفعهُ إلى تحطيم الأوثان.. ثم نعيش معه رحلته اللاحقة إلى حيث يجب أن تُوضع اللبنة الأولى للبيت الحرام. نعيش مع هاجر (تسعى). وحدها. باحثةً لصغيرها عن نقطة ماءٍ لم يرد الله له أن يتفجّر بالخير والبركة، إلا من خلال ذلك السعي الإنساني الطويل الشاق. نرى بأم أعيننا قصة الصدّيق، وهو الذي سماه ابن عمر: «الكريم بن الكريم بن الكريم بن الكريم يوسُف بن يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم». نرى كيف يفعل به إخوتُهُ ما يفعلون.. ليُلقى في السجن (بضع سنين).. ثم يعود فيكون له المُلك والسلطان.. ولا ننس حزنَ أبيه يعقوب.. لكننا نستحضر أيضاً يقينهُ الذي لم يفارقه لحظةً من اللحظات. نتذكر قصة يونس، النبي الصالح من نينوى، (ذا النون) الذي (ذهب مُغاضباً).. فلم يجد نور الحقيقة ويُدرك طبيعة مهمته إلا عندما أصبح في بطن الحوت. نتأمل في قصة هود مع قومه عاد {إرمَ ذات العِماد*التي لم يُخلق مثلها في البلاد}. قومٌ استكبروا واستعلوا بغرورهم وظُلمهم حتى صار بهم ما صار.. ليأتي بعده صالح إلى قوم ثمود الذين خلَفوا عاداً في الأرض، وكان المفروض أن يتعلموا منهم الدرس، ولكنهم لم يفعلوا. نعيش في الثورة السورية مع عجائب رحلة كليم الله موسى والدلالات الكبرى لقصته مع فرعون من جانب، ومع قومه بني إسرائيل من جانبٍ آخر. من تلك اللحظة التي ألقتهُ فيها أمهُ في اليمّ، إلى خروجه من مصر ثم عودته إليها، وقصته مع (السّحرة) الذين يحرفون الأبصار عن الحقائق، ويتلاعبون بالعقول والألباب، لكنهم في نهاية المطاف ينقلبون (صاغرين). نعيش صبره على قومه ودعاءه لربه بلسانٍ خجول: {ربِّ لو شئت أهلكتهم من قبلُ وإيايَ أتُهلكنا بما فعل السُّفهاءُ منّا}. نُحلّق في أجواء قصة عيسى بإشاراتها التي لا تكادُ تنتهي، خاصةً في أبواب الصبر والمعاناة والتضحية والعطاء الذي لا يعرف الحدود، وما لقيه من قومه رغم تمكين الله له حتى بات يخلق من الطين كهيئة الطين فيكون طيراً، ويُبرئ الأكمه والأبرص، ويُخرج الموتى، وتنزل مائدةٌ من السماء استجابةً لدعائه. لنصل في نهاية المطاف إلى محمد، عليه وعلى الرسل كلهم السلام. فنعيش معه في الثورة السورية كيف يُحاربه قومهُ ويحاصرونه ويجوّعونه وينشرون عنه الأكاذيب ويُشوّهون سمعته، لأنه جاء يهدم كل الأصنام الفكرية والاقتصادية والاجتماعية التي كانت تُحقّقُ مصالح زعماء قريش. يذهب إلى مكان اسمه (الطائف) ليعرض على أهله دعوته، فيلاقوه بالسخرية والاستهزاء والإيذاء حتى يُضطرّ إلى أن يدعو ذلك الدعاء العجيب: (اللهم إليك أشكو ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهَوَاني على الناس.. إلى من تكِلُني؟ إلى عدوٍ يتجهّمُني، أو إلى قريبٍ ملّكتهُ أمري..). يُرسل القلّة المؤمنة إلى مكانٍ آخر اسمه (الحبشة) لأن فيها ملكاً نصرانياً عادلاً «لا يُظلم عنده أحد». فيجدون الأمن والأمان لفترة من الزمان. ثم نعيش في الثورة السورية أجواء قصة الهجرة الكبرى. حين يخرج الرسول من مكة (مهاجراً)، لكنه يخرج منها كارهاً. ينظر إليها حزيناً ويخاطبها قائلاً: (والله إنك لأحبُّ بلاد الله إلي، وأحب أرض الله إلي، ولولا أني أُخرجتُ منكِ ما خرجت).. لكنه يتوجه بعدها إلى حيث يبني (المدينة). مدينة النظام والميثاق مع الآخرين. مدينة المدنيّة بمعانيها الإنسانية الكبرى. المدينة التي يبنيها مع (الأنصار). لتُشعّ منها بعد ذلك خلال عقود أنوار الحضارة في كل مجال. وبعد قرون طويلة، يبسَت خلالها جذور تلك الحضارة. وأصاب العفنُ ملامحها الثقافية والاجتماعية والروحية والاقتصادية والسياسية، يدور الزمن دورةً أخرى، لتبدأ رحلةُ الاستعادة. وليس كثيراً على الله أن تبدأ، ولو جزئياً، ولو بشكلٍ من الأشكال، رحلةُ استعادةٍ حضارية تنتظرها البشرية من سوريا. بكل ما يحملهُ تاريخُها من خبرةٍ ومحبةٍ، وإبداعٍ وجمال، ومحبةٍ للعمل والإنتاج، وتآلفٍ إنسانيٍ بين مكونات شعبها لا يمكن أن تمحوه الأيام. هذه هي قصة الثورة السورية، تختصرُ التجربة البشرية على هذه الأرض. فليفهم من يريد أن يفهم. وليعمل من يريد أن يعمل. أما اليائسون والمخذّلون فليُهدونا صمتهم في أقلّ الأحوال.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.