الأربعاء 15 شوال / 19 يونيو 2019
06:32 ص بتوقيت الدوحة

من الطابق التاسع رأيت خط الطباشير الأبيض

من الطابق التاسع رأيت خط الطباشير الأبيض
من الطابق التاسع رأيت خط الطباشير الأبيض
في الطابق التاسع كنت أسكن. ومن أعلى رأيت أطفال الجيران يرسمون في الشارع الإسفلتي خطا أبيض. ثم احتكروا لأنفسهم المساحة الأكبر وتركوا للطفل الأسمر وأقرانه ما تبقى. والأسمر كان في مثل عمرهم. وكذلك فريقه الذي يشبهه في كل شيء. جميعهم أطفال لحراس العقارات أو لعمال تعيش بالمنطقة. وبعد عدة سجالات حُسم الأمر. وقسم الشارع بين أطفال الشمال وأطفال الجنوب. لم يزل الخط الفاصل قائما. يلاحقني أينما كنت. كان ثقيلا وحاسما. محَاه اللعب في اليوم الأول فأعادوا رسمه بمادة ثقيلة فثبت وانغرس في الأرض. لكن الغريب أن الخط الذي رسمه الأطفال كبُر وتمدد من طرفيه وبات قادرا على فصل القاهرة ذاتها إلى جزأين، قاهرة لأهل الشمال وأخرى لساكني الجنوب. ثم جُن الخط الأبيض وقفز إلى مياه البحر المتوسط ليصعد بعد قليل وقد قسم العالم إلى دول الشمال ودول الجنوب. خلفه تماما سِرتُ لأكتشف أنه ليس خطا كتلك التي نعرفها، بل هو ملتو ولعوب وكثيرا ما يكون كاذبا. اتضح أنه لم يولد من علم الجغرافيا كما كنت أظن، بل اتضح أن والديه في الأصل يعودان إلى عالم السياسة. في دراسة «الشمال والجنوب جغرافيا أم مفهوم» يرى الدكتور «جهاد قربة» أستاذ الجغرافيا بجامعة أم القرى بالمملكة السعودية أن علماء الاقتصاد في الغرب قد وضعوا حدودا بين دول العالم لتُقسمه إلى قسمين وفق معايير لا تلعب الجغرافيا بها أي دور ولا يُحترم فيها حتى خط الاستواء الذي يقوم بدور عادل بقسمة الأرض هندسياً إلى نصف شمالي ونصف جنوبي. وتلك الحدود بين الشمال والجنوب تتلاعب بالاتجاهات الأربعة وتقوم بإدخال بعض الدول في النصف الجنوبي مثل أستراليا ونيوزيلندا مع الشمال؟! لا ريب أنهم قادرون على اللعب بالخرائط وعلى تغيير موقع الدول كيفما شاءوا. فهم أهل الشمال الأكثر سطوة، أصحاب القوة والعلم والمال والسلاح والقرار. المشكلة أن «ترسيم» الحدود بين الشمال والجنوب، هو أيضاً ترسيم للحدود الفاصلة بين الحضارة والتقدم، بين الدول النامية والدول ذات الأنظمة المتقدمة كما يذكر الباحث. تلك الحدود ليست فقط خطوطا مغروسة في أرض ما، بل هي فاصل يحجب رؤية أهل الشمال للخمسين ألف إنسان الذين يقضون سنويا بسبب الفقر. فاصل يجنبهم معايشة الصراعات والحروب التي يغذيها أهل الشمال فيتركهم أبرياء ويترك لأطفالهم الخيال الجميل واللعب. بينما أطفال الجنوب يفرون من مساكنهم إلى مخيمات من قماش صنعت على مقاس الجنوبيين فقط. الشمال والجنوب هي مفردات قديمة جديدة للتمييز بين دول غنية وأخرى فقيرة أو تم إفقارها بين دول تطورت وأخرى لم يصدر لها القرار بالتطور بعد. الشمال والجنوب مفردات صَنعتْ من دول الشمال دولا مانحة ومن دول الجنوب دولا متلقية. مفردات صُنع من أجلها قوانين وقيود وأبواب وحرس لحماية حدود الشمال من زحف أهل الجنوب. على أن المفارقة أن بدول الجنوب ذاتها خط شبيه أو ربما هو واحد من أطفال الخط الرئيسي. ففي إفريقيا تنظر دول الشمال المطل على البحر المتوسط بتعال على دول جنوب القارة السوداء. فهم الأفقر والأقل تنمية وهم الغارقون في الأساطير والسحر. هم الماضي السحيق ونحن.. نحن الأكثر تمدنا ونحن الأقرب لأوروبا. نحن الذي نستمتع بدور الشمال ونتمادى في إشعارهم بأنهم هم أهل الجنوب. وقد حدث أن استيقظ الجنوب يوما وأدرك أن أرواحنا ومياهنا في يده. فلم يتأخر في الانتقام وظلت حكومة مصر تردد المهاترات. وفي أوطاننا أينما كان موقعها نصنع جنوبا لنرتفع عنه شأنا. وإن لم نجد جنوبا نرسم خطا أبيضا في الشارع الإسفلتي ونقسمه بين سكان الطبقات العليا و الفقراء ساكني الجراجات والغرف الضيقة. الخط الفاصل الصانع للشمال والجنوب تخلى عن شكله المميز وبات يتخفى في أشكال كثيرة. الخط تلك الأيام لبس عباءة الدين وقسم أهل الشمال وأهل الجنوب وفق طوائفهم أو وفق أديانهم. ثم ظهر خط آخر دقيق حساس وقسم الناس وفق درجة إيمانهم، ثم أسكنهم إما الشمال أو الجنوب. هيمن الخط الفاصل وبات منهجا للتفكير ووسيلة للسيطرة والاستقواء السياسي والاقتصادي والاجتماعي. صنع الخط «نحن» و «هم». وأمس.. أمس فقط عرفت كم هي قوية تلك الـ «نحن» وتلك «الهم». فقد هاج الشباب المصري وكبروا وهللوا حين أكد لهم الرئيس المصري أننا «نحن» سوف نحارب «هم» ونفتك بهم وننتصر، وقال كلاما كثيرا كثيرا لكنه نسي أن يفسر لهم سبب إرسالهم للحرب ولا سبب قتلهم للآخرين. لقد فرحوا وانشغلوا بمكانهم الجديد وانتقالهم لأهل الشمال الفتاكين القادرين.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.