الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
10:50 ص بتوقيت الدوحة

عرب المشرق وطوفان إيران

عرب المشرق وطوفان إيران
عرب المشرق وطوفان إيران
لم يعد ثمة مجالٌ على الإطلاق، وبأي حسبةٍ من الحسابات، أن يسمح عربُ المشرق، ومعهم تركيا، لهذا الطوفان الإيراني أن يجتاح المنطقة بهذا الشكل الصارخ، ليس فقط في قباحته وابتذاله، بل وفي دلالات الموقف الدولي تجاهه. لسنا أغراراً في السياسة، ومن هنا نقولها: نعم، نفهم تماماً أن تكون هناك توازناتٌ دولية، وأن من الواجب أحياناً مراعاة مصالح اللاعبين الكبار في إطار تلك التوازنات والمعادلات التي تتعلق بها في جميع المجالات. لكن هذا لا يلغي حقيقة أن هناك لحظات تاريخية، تجري فيها أحداثٌ تاريخية، تتطلب مواقف تاريخية. ببساطة، لأن هذه الأحداث تتعلق بأصل الوجود والبقاء. ففي مثل هذه الأحوال، وحين يُصرّ أولئك اللاعبون على تجاهل الدلالات الاستراتيجية الخطيرة للوقائع الراهنة، حتى على مصالحهم، وبشكلٍ هو أقرب للمشهد السوريالي المحيّر، تُصبح المبادرة لاتخاذ القرار المناسب من أصحاب العلاقة المباشرين مسؤوليةً تاريخية لا مهرب منها. تساءلنا في مقالٍ سابق عما إذا كانت الإدارة الأميركية تفهم أبعاد الثورة السورية بشكلٍ استراتيجي، وشكّكنا في حقيقة وجود هذا الفهم. والمؤكد أن التاريخ يُظهر لنا مراراً وتكراراً عدد وحجم الأخطاء الاستراتيجية الكبرى التي وقعت فيها إداراتٌ أميركية على مدى التاريخ. لا يوجد قرارٌ سياسيٌ في الدنيا إلا ويصنعه بشر. وما دمنا نعيش في هذه الدنيا فإمكانية الخطأ البشري في الحسابات لا يمكن أن تُلغى بأي حالٍ من الأحوال. بغضّ النظر عن وجود أكبر مراكز الأبحاث والتحليل والدراسات، وأقوى أجهزة الرصد والمتابعة والإحصاء والتجسس. وفي أميركا نفسها، كثيراً ما يستعمل الناس مقولة: «أنت تطلق النار على قدمك»، وذلك للدلالة على أفعالٍ يمكن أن يقوم بها الإنسان، تحمل في طياتها نية الخير لنفسه، لكن نتائجها تعود عليه بالخسران. بناءً على هذا، وبما أن الحريق يكاد يلتهب المشرق العربي، ومعه تركيا، في حين يقف كثيرون من (الأشقاء)، من مصر إلى المغرب، إلى غيرها من بلدان العالم، لا نقول موقف المتفرج، بل موقف من يضع حساباته فوق كل شيء، وتحديداً فوق دماء الشعب السوري وثورته، وفوق مصير المشرق العربي، فإن كل منطق يفرض على أصحاب العلاقة المباشرة اتخاذ القرارات، والقرارات الحاسمة. كان الرئيس الأميركي ثيودور روزفلت معروفاً بأنه (صانعُ سلام) أكثرَ من صفاته الأخرى. لكن هذا الرجل تحديداً قال ما يلي: «لا تضرب على الإطلاق إذا كان تجنّبُ الضرب ممكناً بشكلٍ مُشرّف. ولكن إياك أن تضرب بنعومة [حين يقتضي المقام]». فعلَ الشعب السوري سابع المستحيلات كي يُحقق مطالبه في الحرية والكرامة والاستقلال بعيداً عن أي نوعٍ من أنواع (الضرب). وصَبرَ أطراف المشرق العربي، ومعهم تركيا، كثيراً على الطاغية القابع في دمشق كيلا تصل الأمور إلى ما وصلت إليه الآن. ورغم كل الأقاويل والظنون والإشاعات والإيحاءات، يعرفُ العارفون حقيقة الصبر الذي نتحدثُ عنه. أما الآن، فقد آن أوان (الضرب). وبشكلٍ حاسمٍ يقتلع هذا السرطان من جذوره، مرةً واحدةً وإلى الأبد. لم يعد هناك إمكانيةٌ لأي لحظةٍ أخرى من الانتظار. مها حسن، روائيةٌ سورية (إلى العظم) كما يقولون. وأنقل هنا على لسانها ما يكاد يمثل يقيناً الوضع النفسي والفكري لكل السوريين فيما يتعلق بكثيرٍ من القضايا ذات العلاقة. تقول مها: «بعتاب مماثل لذلك الذي أحس به زوربا، وهو ينظر إلى السماء معاتباً موت الأطفال، لا أنظر إلى السماء معاتبة بل إلى الكون.. أية عدالة هذه، تجعل السوريين يلتحفون العراء هاربين من الموت، فيجدونه على الطرقات، بين الأشجار.. يحفرون الأرض بأصابعهم المقدسة، مستخرجين حبات البطاطا.. يبجثون عن الماء في البُرك.. رجالٌ أختلف معهم حتى آخر مسامات جلدي في الأفكار.. يدفنون موتاهم في حفر جماعية، يهيلون عليهم التراب، ويرحلون.. كل هذا العذاب، يترك اختلافنا الفكري جانباً، فأشتهي أن أكون بينهم، أصلّي معهم، أنا العلمانية.. كيف يأتي بعد كل هذا الشقاء، بعد احتيالهم على المرور من شارع فيه قنّاص، وهم ينزلقون من فجوات البيوت المهدّمة، لتمرير الطعام للعاجزين والعالقين في جهات أخرى، وقد تخلّى عنهم العالم (وين العرب وين العالم) يكررون دون توقف، وقد يبست حناجرهم من الوجع.. كيف يأتي إذن، رجل أو امرأة، متخم بالترف، بالمال، بالعطور، ليسحب عن هؤلاء حق أن يكونوا.. الدعارة الأخلاقية (وأنا أحسبها مليون مرة، حيث أرفض هذا الاصطلاح)، هي في الاستفادة من موت الآخر، ووجعه، لتحقيق المال والشهرة.. اللعنة على استديوهات التلفزيون التي تساوي بين رجل وضع حياته على كف الموت، لينقل للعالم، موت المدنيين الأبرياء في سوريا، وبين امرأة، تستمتع بالظهور على الشاشة والتحدث أمامها، كما لو أنها، تتناول كأس النبيذ.. دون أن يكون لمشهد هؤلاء الذاهبين إلى الموت، أية أهمية إنسانية أو أخلاقية، وهي مهتمة فقط، بالابتسام للشاشة، والتركيز على عبارات تبدأ بـ (أنا).. والحكي بيطول، وطظ في عدالة النخبة.. نخبة الغرب العمياء..». في يومٍ مضى من التاريخ، قال جون آدامس، ثاني رئيس في تاريخ أميركا وأحد المشاركين الأساسيين في كتابة «وثيقة الاستقلال» المشهورة ما يلي: «لِتتحقق العدالة.. ولو سقطت السماء على الأرض». وفي يومٍ آخر من هذا التاريخ، قال نابليون: «إياك أن تُقاطع عدوك.. عندما تراه يرتكب الخطأ». أما أن ترتكب أنت الخطأ، بينما يقوم عدوك بما يمكّنه من تحقيق مصلحته إلى أعلى درجة، فهذا هو صُلبُ الانتحار.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.