الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
05:18 ص بتوقيت الدوحة

الثورة السورية بين مفتي السعودية والقرضاوي

الثورة السورية بين مفتي السعودية والقرضاوي
الثورة السورية بين مفتي السعودية والقرضاوي
منذ بضعة أيام، صدرت عن الشيخ يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، مواقفُ نعتقد أنها غير مسبوقة، وأن دلالاتها السياسية والدينية والثقافية تحتاج إلى كثيرٍ من التأمل. خاصةً عندما نفكر بأسبابها من جهة، ومآلاتها ونتائجها من جهةٍ ثانية. فرغم كل التصريحات السابقة التي صدرت عن الرجل فيما يتعلق بحزب الله ورئيسه حسن نصر الله، ودورهما القذر في محاولة قمع الثورة السورية، جاءت هذه التصريحاتُ الأخيرة لتمثل من ناحية تصعيداً غير مسبوق، ولتكون من ناحية ثانية مدخلاً لاجتماع الرأي حول التهديد الذي يمثله الحزب المذكور، ومن ورائه إيران، للأمن والاستقرار في المنطقة بأسرها، قبل تهديدها لأي طائفةٍ بعينها. فقد وصف القرضاوي رئيس الحزب المذكور بأنه «رئيس حزب الشيطان ونصرٌ للطاغوت». وتابع في كلمةٍ له، ضمن فعاليات مهرجانٍ لنصرة الثورة السورية في دولة قطر: إنه ناصر حزب الله اللبناني وخاصم من أجله علماء السعودية، لكن «تبيّن أن الشيعة خدعوني، وأني كنتُ أقلّ نضجاً من علماء السنة الذين كانوا يدركون حقيقة هذا الحزب». وبعد أن بيّن أن «الثورة السورية أجلت الحقيقة وبيّنت حقيقة حزب الله وشيعته الذين استحوذ عليهم الشيطان فأنساهم ذكر الله»، أعربَ عن أسفه للوقت الذي أنفقه على الدعوة للتقارب بين السنة والشيعة.. واعتبر أن الشعب السوري يجاهد من أجل استرداد حقوقٍ اغتصبها «حافظ الأسد الوحش المتجبر المستكبر الذي أراد أن تكون سوريا عزبةً يتوارثها أبناؤه وحفَدته». ضاعت بوصلة الثورة الإيرانية منذ زمنٍ طويل لبضع سنوات، حاول بعض الإصلاحيين إعادة توجيهها في الاتجاه الصحيح تنميةً للبلاد وبناءً للإنسان، لكنهم لم يفلحوا في ذلك. لهذا، ورغم محاولات السعودية للتفاهم مع إيران على حدٍّ أدنى من مقومات الاستقرار في المنطقة، تبيّن مرةً تلو أخرى أن القيادة الإيرانية ليست بعيدةً فقط عن كل ما يمتُّ لأخلاقيات الإسلام بصِلة، بل وإنها لا تعرف للسياسة معنىً خارج ممارسات التقية والكذب والخداع والتلاعب. ولهذا أيضاً، لم يكن غريباً أن يصدر منذ يومين تصريح مفتي السعودية الذي أثنى فيه على موقف القرضاوي بكل أبعاده، وتحديداً لاعتراف الرجل بالخطأ فيما يتعلق بموقفه السابق من حزب الله. وأكّد المفتي قيمة هذا الموقف حين قال: «وإننا بهذه المناسبة لنشكر فضيلته هذا الموقف الذي ليس غريباً منه؛ إذ يُذكّر بمواقف كبار العلماء عبر التاريخ في رجوعهم إلى الحق متى ما استبانوا الموقف الرشيد». لم يرغب سوريٌ واحد في أن تخرج الثورة السورية عن مطالبها المحددة المتعلقة بتحقيق كل معاني الحرية والكرامة، وصولاً لإقامة سوريا الجديدة التي تتسع لجميع أبنائها. يعرف السوريون خصوصية بلدهم ومجتمعهم، ويدركون طبيعة النظام السياسي الذي يحفظ النسيج الاجتماعي والثقافي لهذا المجتمع، ويحقق فيه الأمن والاستقرار والتنمية. لكن هوس قادة النظام الإيراني بأحلامهم الإمبراطورية يعتاش كما هو واضح على هوسٍ طائفي مقيت كانوا يحاولون إخفاءه في الماضي، عاملين على البحث عن مشروعية مزيفة بأي طريقة. لهذا، لا نستغرب هذه الدرجة السافرة من استعمال إيران وحزب الله للورقة الطائفية؛ إذ لا يجب أن نستهين أبداً بما فعلته الثورة السورية على صعيد تقليص أي مشروعية سياسية وأخلاقية لمشروع إيران في المنطقة. فهذه المشروعية في غاية الأهمية، لأن القوة وحدها لا تكفي أبداً لتحقيق المشروع. وقد هدمت الثورة السورية نهائياً مشروعيةً قضت إيران أكثر من عقدين في بنائها. وكما ذكرنا سابقاً، تريد القيادة الإيرانية أن تملك دوراً إقليمياً متميزاً وأن يكون لإيران، تحت سيطرتها، وزنٌ مُعتبر، لكنها ستُمنى بفشلٍ تلو آخر ما دامت تسير ضد سنن وقوانين الاجتماع البشري، خاصة حين تزهد كلياً بعملية التنمية الداخلية وتُبعثر ثورة بلدها في مغامرات خارجية. تستطيع القيادة الإيرانية الاستمرار في دعم النظام السوري، وهي لا تُقصّر في ذلك كما نرى هذه الأيام، لكنها تفعل ذلك كمن يريد شراء الوقت أكثر من أي شيءٍ آخر. فالنظام السوري انتهى عملياً وسياسياً وإن لم يكن واضحاً وقت وكيفية السقوط على وجه التحديد. والإيرانيون يعلمون أن هناك مستتبعاتٍ كبيرة لهذا السقوط تتعلق بمشروعهم. ولا يمكن هنا إلغاء عنصر يتمثل في وجود حزب الله ودوره؛ إذ لن يكون هذا الحزب كما هو عليه الآن قطعاً، لأنه يستمد نفوذه من مجموعة عناصر أحدها القوة العسكرية التي يُحاول أن يترجمها قوةً سياسية في واقعٍ يسمح بذلك مثل الواقع اللبناني. بالمقابل، سيكون لسقوط النظام السوري تأثير سلبي كبير على مسائل الإمداد العسكري لحزب الله. ثم إن سوريا تُعتبر عمقاً استراتيجياً في غاية الأهمية بالنسبة للحزب، حتى في ظل وجود مرجعيته في إيران، لأن الجغرافيا السياسية تفرض نفسها في نهاية المطاف. وسقوط النظام سيكون له مرةً أخرى تأثير سياسي عملي ومعنوي هائل يتمثل في غياب العمق الاستراتيجي المذكور. بناءً على كل هذه الحقائق، لا يبدو ثمة خيارات أخرى لدى كل من يريد الوقوف في وجه المدّ الإيراني الذي قد يحاول أن (يهدم المعبد على الجميع) كما يقول المثل. ثمّة استحقاقٌ استراتيجي يواجه المنطقة بأسرها تصغُرُ معه كل التجاذبات السياسية الجانبية. وقد يكون الاتفاق في الرأي بين القرضاوي ومفتي السعودية مدخلاً إلى توسيع دوائر القناعة بخطورة ذلك الاستحقاق على أعلى المستويات، وبأولوية التعامل معه بشكلٍ جماعيٍ دون أي تأخير.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.