الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
03:37 م بتوقيت الدوحة

هل تفهم أميركا الثورة السورية بشكلٍ استراتيجي؟

هل تفهم أميركا الثورة السورية بشكلٍ استراتيجي؟
هل تفهم أميركا الثورة السورية بشكلٍ استراتيجي؟
قلائلُ هم الرؤساء الأميركان الذين يعرفون لماذا وصلوا فعلاً إلى البيت الأبيض, وماذا سيفعلون فيه على وجه التحديد. هذه حقيقةٌ معروفةٌ في أميركا، رغم أن عدد ساسة هذا البلد الذين يحلمون بالوصول إلى أهم موقعٍ سياسي في العالم هو أكبرُ من أن يُحصى. فهناك مقولةٌ في أوساط واشنطن العاصمة تؤكد أن كل سيناتور ينظر في المرآة ويرى وجه رئيسٍ أميركي قادم. لكن القلائل من أولئك الساسة يحملون معهم إلى ذلك المنصب رؤية لأميركا وللعالم تليق بالإمكانات التي تُوضع في تصرف من يحتلُّ كرسيّ المكتب البيضاوي. لا غريب في ظل هذه الحقيقة أن أحد الرؤساء السابقين ما إن علم بفوزه بالرئاسة، وسط فريقٍ من معاونيه، حتى استلقى على المقعد الوثير أمام شاشة التلفزيون التي أعلنت فوزه وقال: حسناً يا أصدقائي، لقد فزتُ بالرئاسة، ماذا أفعل الآن؟! لا ينتمي الرئيس أوباما إلى هذه الفئة من السياسيين, ورغم أن الرجل يمتلك ثقافةً عالية، ويحمل رؤية تقدميةً ومتوازنة لما يجب أن تكون عليه الولايات المتحدة والعالم. لكننا نقول يقيناً إن حجم التحديات التي تواجهه يفوق طاقة أي إنسان على التعامل معها. وقد يكون إدراكُ الرجل لهذه الحقيقة السببَ وراءَ تصريحه في خطاب انتصاره، ليل الثلاثاء بتاريخ 4 نوفمبر من عام 2008م، حين قال إن الحلول التي تحدّثَ عنها خلال الحملة الانتخابية قد لا تجد طريقها إلى التنفيذ خلال العام الأول من رئاسته، أو حتى خلال فترة رئاسته الأولى. شاءت الأقدار أن أكون على بعد عدة أمتار من الرجل وهو يلقي ذلك الخطاب في تلك الليلة المشهودة. فرغم كل ما جرى ويجري وسيجري، كانت الظاهرةُ تعني بالنسبة لي بداية لتحولٍ تاريخي إنساني سيكون له ما بعدُه، طالَ التاريخ أو قصُر. وهو ما دفعني إلى أن أشهد شخصياً بداية هذا التحول. «إلى كل من لا يزال يشك بأن كل شيءٍ يمكن أن يحدث في أميركا، هذه الليلة هي الإجابةُ عن السؤال». بهذه الكلمات بدأ أوباما في تلك الليلة ما يُسمى عادة بـ(خطاب الانتصار)، والذي ألقاه في الحديقة العامة على ضفاف بحيرة ميتشيجان في مدينة شيكاغو، أمام جمهور جاوز عددهُ مئةً وعشرين ألف شخص. والحقيقة أن حضور هذا الحدث شخصياً ورؤية ردود فعل المواطنين الأميركيين في تلك اللحظة التاريخية يتجاوز القدرة على الوصف. فما إن تم الإعلان عن فوز الرجل حتى بدأ الحضور بترديد هتافات تُعبّر أكثر ما تُعبّر عن الذهول وعدم تصديق ما يجري مثل «يا إلهي» و «مستحيل» و «هل فعلناها حقاً؟». بعد لحظات، أدركت الجموع أن انتخاب أوباما رئيساً لأميركا أصبح حقيقة واقعةً، فاندفع الناس يعانقون بعضهم والدموع تتساقط من عيون الكثيرين منهم، وسرعان ما أصبح المشهد سوريالياً بكل ما تعني الكلمة من معنى، حين اختلطت هتافات البعض، وهم يقفزون فرحاً مثل الأطفال، بالصمت والبكاء والصلاة من قِبَل آخرين. وزاد من غرابة المشهد طبيعة الحضور، حيث كان بإمكانك أن ترى الشباب السود (أو الأفارقة الأميركان كما يقولون في أميركا) بملابسهم الملونة وشعرهم الطويل يحتفلون بطريقتهم ولغتهم الخاصة، جنباً إلى جنب مع جموعٍ ضخمة من الرجال والنساء البيض واللاتينيين والآسيويين وغيرهم من جميع الأعمار والأعراق. كانت كل شريحة تحتفل بطريقتها وأحيانا بلغتها, لكنهم جميعاً كانوا يحتفلون بأمر واحدٍ مشترك يتمثل في وصول أول رجل أسود إلى أقوى منصب في العالم، وبما يمكن أن يحمله هذا الأمر من دلالات وفرص في مجال التغيير والإصلاح. كتبتُ بعدها الكثير من المقالات، تحدثتُ عن أوباما نفسه في (أوباما يختصر المسافة بين الحلم والحقيقة)، واستقرأتُ دلالات انتخابه داخلياً في (أميركا الباحثة بلهفةٍ عن التغيير)، وبحثتُ عن معاني انتخابه دولياً في (أوباما وجائزة نوبل للسلام: العالم يتحدث مع أميركا بلغةٍ جديدة). وفي أكثر من مقال، كان ثمة حديث عن أملٍ، ليس لديّ فقط وإنما لدى بلايين البشر، بأن يُعبّر أوباما وإدارته عملياً عن القيم الأصيلة لأميركا، خاصة فيما يتعلق بحقوق الشعوب في الحرية والديمقراطية وصناعة حاضرها ومستقبلها. لا أعيش أية أوهام في هذا المجال، فقد أكّدتُ في مقالٍ بعنوان (هل العرب جاهزون للتعامل مع أوباما) على أن الرجل «يحمل رؤية للعالم أكثر واقعية وأكثر إنسانية بكثير من غيره»، غير أنني أضفتُ قائلاً: «لكن هذا لا يعني أبداً أن أوباما سيتساهل في تأمين المصالح الاستراتيجية لبلاده من أجل (سواد عيون) العرب والمسلمين». وشرحتُ أسباب وخلفيات تلك الحقيقة في أكثر من مقال. رغم هذا، ربما تكون ثمة أسئلة حساسة ودقيقة, لا بد من طرحها والتفكير بها جدياً في هذا المقام: هل تفهمُ أميركا حقاً ظاهرة الثورة السورية ودلالاتها بشكلٍ استراتيجي؟ هل تُوازن في حساباتها بين الآني والاستراتيجي؟ هل توجد قنواتُ اتصال مفتوحة، تؤدي إلى صورةٍ شمولية متكاملة أقرب إلى الدقة، بين أفراد فريقها المسؤول عن الملف السوري من قاعدة الهرم إلى قمّته؟ هل تعرف حقيقة المشهد السوري بشكلٍ دقيق، خاصة بما يتعلق بطبيعة وأدوار اللاعبين فيه؟ وأهم من هذا كله هل تعتقد الإدارة الأميركية حقاً أنها تعلّمت من دروس العراق؟ وأنها تستخدم هذه المعرفة في تعاملها مع الوضع السوري؟ ثمة وقائعُ كثيرة تلقي ظلالاً من الشكّ على إمكانية استخدام كلمة (نعم) للإجابة عن الأسئلة السابقة، وغيرها من الأسئلة الأخرى ذات العلاقة. يبدو الأمر من وجهة نظر المراقب المتابع بحاجة إلى كثير من المراجعات. قبل انتخاب أوباما رئيساً بفترة قصيرة، لم أستغرب ما حصل بعد إلقائي محاضرة في جامعة كاليفورنيا في مدينة لوس أنجليس (UCLA) عن الأوضاع في الشرق الأوسط، ودور إدارة بوش فيما آلت إليه الأوضاع. فقد طَلَبَت سيدةٌ أميركية أكاديمية بيضاء التعليق قبل أي شخصٍ آخر، وقالت إنها كانت حريصة على أن تكون أول المعلقين لتعتذر للعرب وللعالم عن حقيقة أن أميركا انتخبت بوش رئيساً. بعدها، قَرّرت السيدة الأميركية الراقية انتخاب أوباما. ستنتصر الثورة السورية. ولكنه سيكون يوماً مُحزناً، لي ولبلايين البشر، إذا رأيتُ تلك السيدة في قادم الأيام وسمعتُ منها اعتذاراً مُشابهاً عن ذلك القرار.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.