الخميس 14 رجب / 21 مارس 2019
04:44 ص بتوقيت الدوحة

أيقظ القذافي الموجود داخلك!

أيقظ القذافي الموجود داخلك!
أيقظ القذافي الموجود داخلك!
أسوأ شيء أن تنادي بحرية الرأي، وضرورة تقبل الآراء المخالفة، لكنك ترسب في أول اختبار -أو مواجهة- حينما يأتي الآخرون بما يخالف قناعاتك! حينما ترفع شعار احترام «الرأي الآخر»، وفي أول نزال تقوم بنسفه، ومساواته بالأرض، ليس هناك صفة أبلغ من كونك «كاذبا» بامتياز. قبل سنوات -تتجاوز العشر- شاهدت برنامجاً لأحد «الفقهاء»، ورد أثناء البرنامج اتصال من سيدة تسأل عن مسألة فقهية، رد عليها «الشيخ»، أثناء حديثه وردت منه مفردة نشاز، لا تقال حتى من باب المزاح، انتظرت أن يستدرك أو يبادر للاعتذار، أو يستغفر الله عن الخطأ فلم يفعل، انتهى البرنامج، في اليوم التالي كتبت مقالاً أتحدث فيه عن هذه اللغة القاسية في الخطاب، سيما وأن السائل «أنثى»، ونبينا الكريم، عليه أفضل الصلاة والسلام، يوصينا بالنساء خيراً -»رفقاً بالقوارير»- ذكرت اسم الشيخ في المقال صراحةً حينها، نسيت المقال، صباح السبت -وقد كان موعد نشره- فوجئت برسائل نصية لا عد لها تشتمني، فتحت الإيميل، وجدت رسائل كثيرة تحتسب علي من طلبة الشيخ فيما يظهر، إذ: كيف يجرؤ «الرويبضة» أمثالك -لم أكن أعرف معناها ذلك الصباح- على انتقاد شيخ بحجم «فلان»؟ «ألا تعلم أن لحوم العلماء مسمومة؟!» -»من أنت حتى تنتقد صاحب الفضيلة؟!». استوقفتني كثيراً عبارة «لحوم العلماء مسمومة»، كنت أتساءل بصمت -ومن الذي يجرؤ حينها على الاحتجاج بصوتٍ عال-: من الذي سممها؟ ولماذا هي مسمومة؟ لماذا لحمي طازج ولذيذ، ولحم فضيلة الشيخ مسموم؟! لماذا لحمي «حلال» ولحم الشيخ «سم هاري»؟! أليس الفرق بيني وبينه التقوى؟! مرت السنين، خمس سنوات إن لم أكن مخطئاً، قام «حزب الله» بمغامرته الشهيرة ضد إسرائيل، كان الرد الصهيوني براً، بحراً، جواً، فر مئات الآلاف من اللبنانيين حينها، كتبت منتقداً تلك المغامرة عديمة الجدوى، أوردت خلال المقال عبارة «أوقدها واختبأ»، وعلى الرغم من كون العبارة قد تؤخذ على المحمل الحسن، إلا أن بعضاً من محبي «سماحة السيد» أمطروني بشتائم نوعية أرض أرض، لم أكن أظن أن اللغة العربية تحتوي تلك الشتائم -»من أنت أيها الوهابي البدوي حتى تنتقد رمز المقاومة؟! اقتديت بسماحة السيد، و»حَنَيت رأسي»، حتى مرور العاصفة بسلام! أدركت أن الحال «من بعضه» فاللحم مسمومٌ في نجد، ومسمومٌ في الضاحية! أثناء ذلك كانت شعارات القبول بـ «الرأي الآخر» تضج بها صالونات ما يسمى بالتيار الليبرالي السعودي، ومقالاتهم، ولقاءاتهم، حواراتهم، ندواتهم، محاضراتهم، أمسياتهم، مؤلفاتهم، كانوا يرفعون صوتهم بضرورة قبول الرأي المخالف، مهما كانت قسوته، هذا حق لك غير قابل للمساومة، كانوا يرفعون شعار «اختلف معك، لكنني مستعد لدفع حياتي ثمنا لكي تقول رأيك»! أعترف لكم بشجاعة أن الحيلة انطلت علي تماماً -كالكثيرين غيري- صدقت تلك الشعارات الرنانة، تعاطفت معهم، حتى مطلع عام 2012، حينما طرحت ما يتعارض وأدبيات المدرسة التنويرية في السعودية -إن جازت لي التسمية- لحظتها تهاوت تلك الكذبة كما لو كانت «عمارة متهالكة تم نسفها بالديناميت»، تبخّر شعار الرأي الآخر، تم خنق تلك القيمة، تم تصفيتها، تم التعامل معها على أنها حالة طارئة! وما بين 2012 و2013 آلاف الإثباتات والمقالات واللقاءات والتغريدات المتناثرة هنا وهناك، كلها تؤكد لي أن أسطوانة احترام الرأي الآخر التي كنت أسمعها في الوسط الليبرالي كذبة كبيرة، وهم كبير، كبير جداً! مطلع العام الحالي -وهذا من شوارد الأمثلة- تطرقت خلال لقاء تلفزيوني مع قناة (DM) إلى الأديب السعودي المعروف الدكتور تركي الحمد، أثنيت عليه كأديب، وروائي، وصاحب قلم سيّال، لكنني تساءلت: ما تاريخه؟ -بمعنى: هل كان مناضلاً أو معارضاً سياسياً، أو صاحب مشروع قومي؟- وهو استفهام مشروع تستطيع توجيهه للموتى والأحياء، على حد سواء! لتنطلق علي الحمم من كل مكان، أيقظ بعض «الليبرل» السعوديين «القذافي» الذي يسكن دواخلهم، وجدتني محاصراً بألف معمّر ومعمّر: «من أنت؟!» «من أنت» حتى تسأل عن تاريخ تركي الحمد؟! «من أنت» حتى تنتقد قامة بحجم تركي الحمد؟! ولولا أن «اللحوم المسمومة» هي من أدبيات الخطاب الديني لوجدت من يقول لي «كيف تنتقد تركي الحمد ألا تعلم أن لحوم الليبراليين مسمومة؟!». الخلاصة: خذها من الآخر -كما أخذها الكثيرون- إن أردت أن تكسب الجميع، أن تحظى بمحبة الكثيرين، يجب عليك أن تكون عديم اللون، عديم الطعم، عديم الرائحة، يجب أن تكون مخاتلاً، يحب أن تكون ضبابياً، يجب أن تسكن المناطق الرمادية، دون ذلك بخطوة واحدة لن تنجو من «القذافي»، وستلاحقك لعنته أينما توجهت، «كلهم في الهوى سوى» يا حبيبي!
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.