الخميس 16 شوال / 20 يونيو 2019
01:56 م بتوقيت الدوحة

خطاب بعلم الوصول إلى رئيس مصر

خطاب بعلم الوصول إلى رئيس مصر
خطاب بعلم الوصول إلى رئيس مصر
طرقة واحدة مفاجئة، ثم ضاع الضوء وانسحبت الكهرباء إلى أسلاكها وتركتنا في عتمة قاتمة، بنظرة واحدة على الشارع أدركت أننا نصفان، نصف مضيء ونصف معتم، كان جانبنا صامتا وكأن الحياة قد توقفت عنه، حارسة العقار قالت إن الجانب الأيمن لا يظلم أبدا، وإن انقطاع الكهرباء من نصيبنا نحن فقط سكان الأيسر، ذابت الشموع بعد ساعة من اشتعالها وتدريجيا تهاوى جهاز الإضاءة الاحتياطي واستقر بيننا الظلام، حين انقضى غضبي على الحكومة التي أظلمت منازل مصر ترشيدا للإنفاق، وبلغت مرحلة الاستسلام، أدركت الصمت، وكان الليل قد تمدد وتدريجيا تلاشى الزمن، بل لم يعد هناك مبرر له، وأظنه قد اختبأ بين ثنايا الليل. وقد حدث أن طال الظلام بإحدى المناطق في العالم فانتشر الجهل وانحدرت الثقافة، وأصيبت أوروبا بالانحطاط، ولم يتبق من حضارة الرومان سوى بعض مدارس الأديرة والقصور الملكية، أما العلوم التي نقلت عن اليونانيين فقد اندثرت تقريبًا، وضاع الكثير من المهارات الفنية والتقنية القديمة، وأمست الجماهير في جهلها تتقبل الحكايات الشعبية والشائعات على أنها حقيقة، كان ذلك في الفترة ما بين القرن الخامس الميلادي إلى أواخر القرن العاشر، خمسة قرون أظلمت فيها الأنوار وسقطت أوروبا في الظلام فانشغل الناس عن العمل وانتظموا في مراقبة بعضهم البعض، وكيل الاتهامات وتقسيم البشر إلى فرق ومجموعات، وساد التعصب الديني وامتد القهر الفكري حتى بلغ اعتقال كل من له رأي مخالف أو عقل رافض للإذعان، في ذلك الوقت خرج من لعن الفلسفة الإغريقية والآداب معتبرين إياها وثنية فطمسوها طمسا. في الظلام الساكن بشرفة منزلي أتاني صوت صديقتي الأستاذة الجامعية التي منعت عن العمل لأنها شجعت طلبتها على مناقشة مفهوم الفتنة الطائفية، شعرت بصوتها بعيدا مختنقا آتيا من قرون بعيدة سحيقة، ذكرتني بالحديقة العريقة الكائنة بقلب القاهرة والتي قطعت رؤوس تماثيلها الأثرية لأنها أصنام وحجر، ثم أتت على ذكر الكتاب الذي رفضه الناشر خوفا من العقاب، والمذيع الذي يتلقى خطابات تهديد يوميا، والنساء اللاتي رفعن صورهن من الكتاب المدرسي، صديقتي التي طالتها لعنات ساحرات وطبيبات القرون الوسطى في أوروبا المظلمة ترفض انتظار المقصلة وترفض انقطاع التيار الكهربائي بحجة خفض استهلاك الكهرباء ليستكمل الرئيس نفقات رحلاته ويجمع مالا لازما لتزيين صالات القصر بالزهور الهولاندية. إنها كما المعارضين سليطة اللسان ولم تتعظ ممن أعدمن ومن ألقين بالسجون، تصرخ في وجهي حين أذكرها أن السجون معبأة بالمعارضين وأن الأطفال والنساء لم يعد لهن شفاعة، فالكل في المعتقل سواء، تلك المتهورة تجادلني وأنا أثبت لها أننا في القرن السادس الميلادي حيث يسكن الظلام، لكنها تصر على استخدام معدات وأجهزة غريبة توحي لها أننا في القرن الواحد والعشرين، وأن العلم أتى إلينا بالكهرباء والأدوية والحاسوب والهاتف. الظلام الذي لم يزل يغرق نصف الشارع كان بانتظار النور ليرفع عنا عباءته، ولأن النور باهظ الثمن، وبعيد كما هو ضوء الشمس، فقد عانى سكان أوروبا للخروج من الظلام، وكان أول طريقهم هو الإصلاح الديني الذي حصل في النصف الأول من القرن السادس عشر على يد مارتن لوثر، ثم إعادة أحياء الحركة الإنسانية التي تمثلت في العودة إلى الآداب القديمة، آداب اليونان والرومان وترجمتها، وثالثا أطلقت يد الاكتشافات العلمية الكبرى التي حصلت في ذلك العصر. وقد انعكس كل ذلك على الفكر، وتقدم النقد وتجرأ على تناول أعمال كبار الكتاب والمبدعين، وفي خضم هذا الإبداع والابتكار، ظهر جاليليو (1564 - 1642) الذي شكل الأسس الراسخة للعلم الحديث، أي علم الفيزياء والفلك والرياضيات. الظلام الذي سبق له أن عاش طويلا في أوروبا أراد اختصار الطريق على سكان القرن الجديد باعثا رسالته الموجزة، مؤكداً أن تطوير العلوم والآداب، وحماية المجتمع من الشيوخ المغالين الموالين لمصالح الدنيا هما السبيل لإعادة النور، جمعت النصائح الثلاث وتجاوزت عن الظلام وبعثت بخطاب مختوم بعلم الوصول إلى رئيس الجمهورية: من أهل مصر الكرام، إلى الرئيس الهمام: أبعث إليك بنصائح ثلاث وصلتني من القرون الوسطى. بعد أيام ثلاثة وبينما كنت أجلس بنفس الشرفة بمنزلي عاد إلى الخطاب ممهورا بتوقيع: لم يستدل على العنوان.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.