الإثنين 18 رجب / 25 مارس 2019
04:11 ص بتوقيت الدوحة

وبينهن نساء عاشقات لقهوة الصباح

وبينهن نساء عاشقات لقهوة الصباح
وبينهن نساء عاشقات لقهوة الصباح
أعادته مرة أخرى إلى الطبق الصغير عقب الرشفة الأخيرة، ثم انتظرتْ دقائق وقَلَبَتْه فسال اللون الداكن برائحته النفاذة وتلون الخزف الأبيض. وأكملت هي حوارها تاركة لي الحيرة من أمر تلك القهوة التي تجمع جدتي بجارتنا العجوز ذات الصوت العالي. والأخرى التي تسكن في المنزل المقابل مع ابنها الوحيد وقططها الخمس والشقيقتين اللتين ترملا في يوم واحد وسكنا الطابق الأول بمنزلنا. كان يوم الأربعاء هو يوم القهوة. وما أن تتحرك أقدامهن صاعدة على الدرج حتى تجذب جدتي أدواتها النحاسية وتبدأ في إعدادها ببطء يشبه الاستمتاع. حين تمكنتُ من سرقة رشفة صغيرة من فنجان جدتي أصبت بخيبة أمل. كنت في السابعة من عمري آنذاك واقعة في فضول القهوة التي تخرج منها الحكايات، لكنها وما أن سقطت في حلقي حتى ضربتني مرارتها ولم يشفع لها السكر المذاب بها. فتركتها غاضبة غير مصدقة أن ذلك المشروب البني الغامق يبعث في عقل جارتنا بقصص طويلة تمضي الساعات ترويها لجدتي وصُحبتها من نساء الجيران. جدتي قالت: إن القهوة حكر على الكبار، وقبل أن أتأكد مما قالته كانت سنوات كثيرة قد مرت رأيت فيها القهوة ممتدة في كل البلاد. معها يلتقي الأصدقاء والأعداء وباسمها سميت دول، فقد حدث أن سميت «السلفادور» إحدى الدول الصغيرة بوسط أميركا الجنوبية المنتجة للبن «بجمهورية القهوة». وهناك تمتد شجرة البن الخضراء ليبلغ ارتفاعها ستة أمتار طولاً أو أكثر، لها زهرة بيضاء اللون وثمرات حمراء. تستكمل الشجرة نموها في ستة أعوام أو ثمانية. لم أر قط شجرة البن، لكني رأيت مقاهي في كل دول العالم تستقبل ملايين الأشخاص العاشقين للقهوة. وهؤلاء الباحثين عن مساعد لإزاحة الخمول؛ فالجميع بما فيهم الأطباء يظنون أن مادة الكافيين الموجودة بالبن قادرة على إثارة الانتباه، لكني جربت النوم العميق عقب ابتلاع كوب من القهوة. يومها حزنت لسقوط وسيطي. وعوضا عن القهوة بات علي سؤال عقلي مباشرة أن يهب من خموله. ولأنه أشبه بطفل شارد، فكثيرا ما يتجاهل ندائي فاضطر إلى صنع فنجان قهوة أرتشفه تدريجيا ثم أقنع نفسي ببطء أني الآن مستعدة للعمل. لقد احتكرت القهوة الإعلان عن بدء الصباح. فمعها يدق النهار الجديد، لكني وجدت بشرا تهوى القهوة في منتصف اليوم أو في نهايته بعدما يرحل الصباح. لمحتها يوما ما وقد فقدت رونقها وتحولت إلى مشروب مثل الآخرين، لحظتها كان الطالب زميلا سوريا يعمل في مدريد، أظنه لم يرغب في القهوة بل رغب في البقاء وسط صحبة عربية جمعت له باقة من نصف سكان دول المنطقة. كانت القهوة هذا المساء إضافة غير جوهرية. كانت ظلا حاضرا يمكنه أن يغيب ولن يفتقده أحد، لكني أظن أن القاعة المغربية التي جمعتنا وصوت فريد الأطرش وصور أبواب سوق الحامدية الدمشقي وأكواب الشاي بالنعناع التائه في سحب الأرجيلة جعلت من حضوره أمرا حتميا. لقد اكتشفنا أنها بالأصل كانت عالقة على أبواب السوق وعلى الأرجيلة وفي القاعة. برغم ذلك لم تعرف «القهوة» عند العرب إلا في القرن السابع الهجري الموافق للقرن الثالث عشر الميلادي، عرفها أهل اليمن، فمكة ومنها إلى القاهرة واسطنبول فالعالم، ومع أن القهوة لم تكن معروفة عند العرب قبل القرن السابع الهجري، إلا أن كلمة (قهوة) كانت موجودة في اللسان العربي كاسم من أسماء الخمر. أيمكن لكل سحر القهوة وعشاقها والعشرين مليون عامل في صناعة القهوة أن يبحثوا عن بديل آخر؟ أسيأتي يوم تختفي فيه زراعة أشجار البن؟ الإجابة أتت على لسان صحيفة «التايمز البريطانية»، التي أكدت أنه خلال سبعين عاما ستختفي القهوة والشيكولاتة من كوكب الأرض نتيجة التغير السريع في مناخها؛ وذلك وفق نتائج دراسة تم إجراؤها مؤخرا حول التغيرات المناخية في العالم وارتفاع حرارة كوكب الأرض. غموض القهوة القادمة من تلك الحبة البنية الصلبة أثار الشعراء والفنانين، وربما يكون محمود درويش من أكثر الشعراء العرب الذين تغنوا فيها شعرا ونثرا وعشقا غير منظوم. يصفها وصفا طازجا فيقول «رائحة القهوة عودة وإعادة الشيء الأول؛ لأنها تنحدر من سلالة المكان الأول. هي رحلة بدأت من آلاف السنين وما زالت تعود. القهوة مكان. القهوة مسام تُسّرب الداخل إلى الخارج». ويُضيف الشاعر: «لا أعرف سيدات مهووسات بصباح القهوة». تمنيت لو التقيته لأواجهه بكل النساء العاشقات لقهوة الصباح. الباحثات عن النهار حتى وإن انقضى والحاملات لذاكرة العالم في قلوبهن ولكل حكايات الأرض.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.