الأحد 21 رمضان / 26 مايو 2019
02:36 م بتوقيت الدوحة

ألم يحن الوقت بعد لتسقط الأيادي الناعمة؟

ألم يحن الوقت بعد لتسقط الأيادي الناعمة؟
ألم يحن الوقت بعد لتسقط الأيادي الناعمة؟
أشارت الإحصائيات الأخيرة إلى أن نسبة القطريين إلى الوافدين لم تتجاوز حاجز 14 %. ومع تسارع وتيرة المشاريع في كل أنحاء البلاد يتضح أننا نحن القطريون سنذوب في دوامة الهجرات المتلاحقة التي تتسارع وتيرتها باتجاه بلادنا، ولا شك أنه لو سارت الأمور على هذا النحو لوصلنا بعد عشرات السنين إلى صورة مفزعة؛ إذ سنصبح نحن غير مرئيين في وطننا، فهل من عاقل قادر على قراءة تفاصيل المشهد حتى نتلاشى صداماً قد تحدث تبعاته يوماً مع تلك العمالة الوافدة؟ الصورة غير مطمئنة بالمرة بدعوى أننا غير قادرين على تحمل مسؤولية النهوض بتلك البلاد. ويوماً بعد يوم نلاحظ تغييرات جذرية تطول الهوية القطرية، وتلك نتيجة حتمية للزيادة الهائلة في أعداد هؤلاء الذين يدخلون بيتنا الكبير يوماً بعد الآخر، ولسنا هنا بصدد منع مواطنينا من الاحتكاك بهؤلاء الوافدين كي نحافظ على هويتنا، طالما ألقينا بأنفسنا في المياه فلا بد أن البلل سيصيبنا. وماذا لو ظللنا جالسين في بيوتنا بزعم عدم قدرتنا على بعض الأعمال، وأنها ليست الأعمال التي نقوم بها، نحن مترفعون ومتكبرون لنترك الآخر يتغلغل في بلادنا ويتعرف على كل كبيرة وصغيرة، وتصل بنا الأمور أن نصبح على قناعة تامة بأننا لا يمكننا العيش بهذا الوطن بدون الاعتماد على هؤلاء الوافدين؟ نحن نشهد استفحال البطالة بين مواطني البلاد، فهل سنظل ندفن رؤوسنا في الرمال ولا نواجه مشاكلنا ونتركها تستفحل حتى نصبح ضيوفاً غرباء على هذا الوطن؟ إن مسؤوليتنا لتحمل عبء هذا الوطن أصبحت ملحة، وإننا بدون هذا الوطن العزيز علينا لن تكون لنا مكرمة بين سكان الأرض، ولهذا حان وقت التنادي لنجلس معاً ونفكر كيف ندير نحن دفة الأمور في وطننا صغيرها قبل كبيرها، لن نترك الغرباء ينعمون بوظائف بلادنا ونحن ننتظر حتى نستجدي عملاً، ولهذا وجب علينا أن ندرس ما الذي ينقصنا حتى نتشارك في بناء هذا البيت الذي نسكنه جميعاً، وهذا يجعلنا جادين في طرح تساؤلات عدة علينا حلها مهما تكن التنازلات، وعلى رأس هذه التساؤلات يأتي السؤال المهم، لماذا يعزف مواطنونا عن القيام بالأعمال التي يقوم بها هؤلاء الوافدون؟ وهل نحن بالفعل لسنا قادرين على القيام بها؟ ينبغي مواجهة هذه المشكلة بشكل جاد وعملي وصريح، ما المانع إذا دربنا شبابنا وأهلناهم للعمل حتى لا يضيع الوطن من بين أيديهم؟ وهل كان أجداد هؤلاء يعزفون عن القيام بأي عمل كي يحصلون على أرزاقهم؟ إننا أمام منعطف خطير وجبت دراسته، حيث إن هذه الأوطان لا يحميها ويدافع عنها سوى أبنائها. نحن لا ننكر الدور الإيجابي للعمالة الوافدة في قطر ونموها الاقتصادي الذي هو مرتبط بوجودهم، ولكن يتضح يوماً بعد يوم أن لهذا تبعات خطيرة إذا لم نتدارك الأمر. أعتقد أنه آن الأوان أن نفهم ونعرف دورنا كمواطنين في بناء الوطن، وذلك بتغير مفهوم الثقافة المهنية السائدة في مجتمعنا، ومدى أهمية تولينا وظائف بلادنا المهنية منها قبل المكتبية، فقطر الرجال الأولون، وأعتقد أنه وجب علينا أن نسير على نهجهم. تبدأ حياة كل منا دائماً بحكايات الأجداد، تنساب على مسامعنا، ترتل علينا ما عايشونه من تراث وتاريخ. نكبر نحن وتتردد في أسماعنا يوماً بعد يوم تلك الأناشيد التي تربينا عليها، ولهذا يحتل الجدود المكانة الأعلى في أرواحنا، ولم لا والأشجار لا يمكن لها أن تقاوم بدون الجذور، ونحن لا يمكننا أن نهنأ بهويتنا وهي تتشكل بعيداً عن تراث هؤلاء الأجداد، لكن هويتنا على المحك بعد أن أصبح العالم قرية كونية صغيرة، وصرنا رغماً عن إرادتنا نسبح في هذا المحيط المتلاطمة أمواج ثقافاته، فهبت علينا كل عواصف الثقافات، وقاربنا تعصف به تلك الثقافات التي دخلت مجتمعنا القطري. وعندما فتحنا نوافذ بيوتنا هبت علينا كل ثقافات الأمم الأخرى ودخلت بيوتنا واقتلعتنا من جذورنا، ونحن للأسف لا نتشبث بماضينا، بل إننا يغمرنا السرور الزائف بأن ذلك هو التحضر بعينه، لكنها ليست سوى خدعة نخدع بها هويتنا. هل نسعى بل نسارع في تقديم تنازلات سريعة عبر عشرات السنين عن هذا التراث الضخم والثري الذي عاش به من سبقونا لنقنع أنفسنا بأننا على الطريق الصحيح؟ وكيف حافظ أهالينا على كل هذه الثروة ونحن نسارع في محوها وهدم معالمها لنصبح أمة بلا هوية؟ مطلوب مراجعات شاملة وضخمة وجادة وصادقة ننقذ بها أبناءنا حتى لا يغرقوا في نهر العولمة الذي يكتسح معالم كل شيء، ونحن نسارع في جهودنا لطمس معالم ثقافتنا، وإذا لم نتبع ماضينا فإلى أي قوم نتبع في السنوات القادمة؟ يبدو لي أننا سنتنازل يوماً بعد يوم عن كنز الهوية ونتفتت حتى نصبح بدون هوية. مطلوب بذل كل الجهود حتى لا يقتلعنا أحد من جذورنا فهويتنا عربية لا غربية، هويتنا التي طالما التف حولها شعراؤنا وهم يتغنون بقصائدهم وكان القرآن قد جاءهم تكريماً لذلك اللسان، ليكون النور لهم وليصقل من لغتهم. وتاريخنا عربي اللغة، وهويتنا ترتاد مرابض الشعر والخيل والبيداء، وهويتنا صلبة كصخور الصحراء التي ارتحل عبرها آباؤنا طوال التاريخ، وشجاعة وكرم وأصالة أجدادنا ما زالت سطوراً مضيئة في بطون الكتب، فهل تستحق منا أن نتشارك في محوها أم نواصل السير على دربهم للإعلاء من شأنها؟ لم يتوقف ضرع الإبل يوماً من أن يرضع هويتنا الكرم.. فكان الكرم عنواناً لخيمتنا عبر القرون.. نؤوي الضيف، ونجود بأرواحنا للدفاع عن الواجب، والشهامة كانت السراج الذي يضيء ليل جزيرتنا العربية، وإذا كان أكسجين العولمة قد ساهم بطلاء من الصدى لمعدن شخصيتنا الفولاذية فإننا قادرون على صهر هذه الشوائب برجوعنا لفهم مكنون وجوهر ماضينا الذي يفيض بالكثير من القيم النبيلة، فإذا كنا فعلاً جادين في بناء دولة لا تعتمد اعتماداً كلياً على العمالة، علينا أن نتمعن في تلك الأبيات وفهمها، فكما يقول الأجداد: ولا ينفع الوادي سوى ثيباته ولا تصفق اليمنى بلا يسرها ولي عاد ما هذا لهذاك نافع مخوة مماليك قلال حرارها والصقر ما يبني على القاع عشه روس الجبال عشوشها وأوكارها وحتماً لن نعدم من يقوم ليدافع عن العمران الذي يتطاول في جزيرتنا. ويرفض الدفاع عن الخيمة التي احتضنتنا آلاف السنين، ولكني سأنتصر لهم إذا تمكنت أبراجهم من ولادة وإنتاج الشافعي والفرذدق وجرير والأخطل وابن عباس والأصفهاني، وعشرات من العمالقة ما زلنا نستظل بإنتاجهم الفكري في أكبر جامعاتنا. ويوم نتخلى عن أدب وفكر وإنتاج رجالنا هؤلاء ونرتمي في حضن ثقافة أخرى، فإننا نصبح مسخاً مشوهاً بلا معالم. فلقد حان الوقت كي نصطف خلف قيادتنا مدركين أهمية الدور الذي وجب علينا القيام به.
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.

اقرأ ايضا

نقيق الضفادع

13 مارس 2014

ناقوس الخطر

27 أغسطس 2013