الخميس 19 شعبان / 25 أبريل 2019
08:57 م بتوقيت الدوحة

أم سيد والواد شمعة وسلاح سوريا الكيماوي

أم سيد والواد شمعة وسلاح سوريا الكيماوي
أم سيد والواد شمعة وسلاح سوريا الكيماوي
أيمكن أن يصدق عاقل أن «فارس» حمل عتاده وسلاحه وسافر طويلا لكي يحمي «مالك» الذي لا يعرفه ولا يعرف عنه شيئا. البعض قال لي لا بد أن «فارس» ملاك في جسد بشر. لكن آخرين كانوا على ثقة بأنه ليس إلا سارقا يسعى للاستيلاء على «مالك» الثري الذي ورث الكثير من أجداده. على أن «أم سيد» السيدة السمراء المهيبة التي قابلتها قبل يومين في ميدان التحرير أسرت لي أن في الأمر سرا، وأن علي أن أغسل عن نفسي السذاجة. «أم سيد» صاحبة القرار في ميدان التحرير وعالمة الأسرار لم تندهش حين فاجأنا الصحافي الغاضب بخبر تهديد أميركا لسوريا بسبب امتلاكها سلاح كيميائي. السيدة كادت تسقط من كرسيها ضحكا وقالت للصحافي المندهش «أمال اتعلمت إيه في الجرنال الكبير بتاعك يا حبيبي؟ «اصح يا ابني، مش من عشر سنين بالضبط قالوا إن العراق فيه سلاح نووي؟» ردت عليه بعدما قدمت الشاي للجالسين المتحلقين حول طاولة الشاي القائمة في قلب الميدان. الشاب الساخط على النظام السوري صمت وتركنا نستعيد أياما كانت تشبه تلك الأيام. أيام استقر فيها الليل الحالك ليخفي العراق وهي تسقط وتتهدم آثارها العريقة وتسرق حضارتها ويتمزق شعبها إربا بين نيران الأعداء ونيران الطائفية. آنذاك أيضاً خرج علينا «فارس» الهمام.. هو ذاته بنفس طلته. قادما في ركب هائل محمل بهدايا تشبه الأسلحة وصناديق لا تحصى ملأى بالقنابل والرصاص. أتى فارس ذاك اليوم ليحمي شخصا عراقيا كان اسمه هو الآخر «مالك». في هذا اليوم أتى «فارس» بحجة أن العراق تمتلك أسلحة دمار شامل وأنه كوكيل عن الخير في الأرض سيقتلع الأسلحة ويخلي المنطقة ويتركها لنا نظيفة مغسولة تنتظر أن نزرعها ورودا. لكن المنطقة لم تنظف ولم يجد فارس الأسلحة ولم تزرع الورود. ولم يحدث سوى أن قتل في العراق مليون نسمة وشرد نحو 4.5 مليون، وحمل 5 ملايين طفل لقب يتيم، كما أفادت التقارير الأميركية. وتمضي الأيام ليعود صوت الرئيس الأميركي السابق «جورج بوش» محملا على وجه الحالي «باراك أوباما» ليخرج علينا قبل أسبوعين معلنا بأنه إذا ما ثبت استخدام السلاح الكيميائي في سوريا، فإن ذلك سيدفع واشنطن إلى إعادة التفكير في خياراتها نحو سوريا، ثم شدد الرجل بصوت مسرحي عميق على الحاجة إلى إجراء تحقيقات بالتعاون مع المجتمع الدولي والأمم المتحدة، ولأنه كان قد اعتمد جزئياً في انتخابات عام 2008 على معارضته للحرب على العراق. فقد اضطر إلى التأكيد على ضرورة الوصول إلى دليل مؤكد حتى يتسنى للولايات المتحدة التدخل في الصراع السوري. هنا يأتي دور البطل الثاني في المسرحية وهو الشريك التركي، فقبل ثلاثة أيام فقط وفي زيارة لوزير الخارجية التركي «أحمد داودأوغلو» إلى الأردن أوضح الرجل أن فحوصا أجريت على مصابين سوريين وصلوا إلى تركيا تشير إلى استخدام القوات السورية أسلحة كيماوية، وقال «أجرينا اختبارات ولدينا بعض المؤشرات فيما يتعلق باستخدام الأسلحة الكيماوية لكن من أجل التأكد سوف نتبادل (نتائج) هذه الفحوص مع وكالات الأمم المتحدة «وكما في الأفلام الدرامية تتقدم متحدثة مجلس الأمن القومي «كيتلين هايدن» لتقول «نضغط حالياً من أجل القيام بتحقيقات شاملة تقودها الأمم المتحدة لإعطاء تقييم ذي مصداقية، وتوفير أدلة حول ما جرى هناك». لم أصدق أذني حين سمعت تعليق «شمعة» الطفل الذي يسكن التحرير منذ اندلاع الثورة: «يا أستاذ -وكان آنذاك ينظر للصحافي الثلاثيني- أنا أقدر أجيب لك ميت دليل مضروب» انتبهنا تلك اللحظة فقط أن «شمعة» كان يتابعنا وأنه استوعب كل الحوار. بل لقد رد على الإدارة الأميركية ذاتها حين أكد سهولة الحصول على الأدلة المزورة. التي يمكن أن تخول للولايات المتحدة ضرب سوريا. المناورات الأميركية تشير إلى أن السيناريو الذي يحظى باتفاق أطراف أخرى من بينها فرنسا وبريطانيا يتمثل في دعم المعارضة السورية عسكريا، وبالفعل فقبل ما يقرب من عشرة أيام وصلت أول شحنة عسكرية أميركية إلى «الجيش السوري الحر» والتي بلغت قيمتها 250 مليون دولار، ورغم أن تلك الدفعة اقتصرت على مواد طبية ومناظير الرؤية الليلية ودروع واقية وغذاء، لكنها تبقى مؤشرا على أن تسليح المعارضة أضحى مقبولا من قبل الإدارة الأميركية. بل إن المعلومات تتسرب تقول إن أوباما ربما يميل إلى إرسال أسلحة «فتاكة» ولكن شريطة التأكد من أن مستخدميها لا ينتمون إلى منظمات إرهابية وجهادية، وأن السلاح لن يشكل خطراً على إسرائيل. وهنا لم أعد أتحمل المزيد وعدت لسؤالي الساذج» وهو ليه فارس شاغل نفسه بسوريا أصلا. هو ماله ومال سوريا؟» نظرت «أم سيد» إلى «شمعة» طفل الميدان الذي ربما بلغ الحادية عشرة نظرة ذات مغزى. فاعتدل ناحيتي وقال: يا أبلة «السرقة» مش حاجة سهلة زي ما أنتم فاهمين. دي محتاجة خطة جامدة. وفارس والأميركان دول بتوع الخطط كلها».
التعليقات

لا يوجد تعليقات على الخبر.